صرح خالد النزال وسط جنين.(أرشيف)
صرح خالد النزال وسط جنين.(أرشيف)
الخميس 13 يوليو 2017 / 20:03

صرح "خالد نزّال" ودروس "العراقيب"

بعد أكثر من ثلاثة عقود على اغتياله في العاصمة اليونانية، ما زال يؤرق دولة الاحتلال، بعد اغتياله شاباً وجميلاً، أستطيع أن أتخيله يصعد درجات "الأزبكية" في دمشق

شمال مدينة "بئر السبع" في النقب جنوب فلسطين تقع قرية بدوية اسمها "العراقيب"، قرية صغيرة يسكنها حوالي 700 نسمة يعيش معظمهم على رعاية الأغنام، ليس ثمة بيوت بالمعنى المديني في "العراقيب" بعض "البراكيات" وبيوت الصفيح وبيوت الشعر، ولكنها تملك مقبرة تعود الى مطلع القرن التاسع عشر أي قبل تأسيس فكرة "إسرائيل" في مخيلة "ثيودور هرتسل"، كان أهل العراقيب يحملون موتاهم إلى تلك القطعة القريبة من فراشهم ويوسدونهم هناك، هناك أيضاً سيلعب أولادهم وبناتهم وسيقرأ الكبار الفاتحة ويمسحون وجوههم أثناء غدوهم ورواحهم.

حقوق الملكية الصادرة عن الامبراطورية العثمانية (الطابو) ومقبرة من القرن التاسع عشر وحضورهم في هذه الحياة، تلك إثباتات حق امتلاك الأرض الصغيرة التي أقيمت عليها "العراقيب".

المنطقة صحراوية وقاسية وفقيرة وصعبة المراس، ولكنهم هناك يواصلون تقليب "الطابو" ويرفعونه في وجه "الدولة" وأمام الجرافات التي بدأت بالوصول صبيحة الثلاثاء 27 يوليو (تموز) قبل سبع سنوات من الآن.

الجرافات التي اندفعت دون تردد وبدأت بهدم بيوت القرية وتهجير سكانها بحجة أنها بنيت "دون ترخيص".

خلال أيام أعاد سكان القرية بناء بيوت الصفيح ونصب أوتاد الخيام المهدمة من جديد، وعادوا إلى قريتهم تحت نظر الجرافات ورجال الشرطة الذين يحملون قرار الهدم.

قائمة القرى البدوية التي يشملها قرار الهدم تضم 45 قرية، لعلها جميعاً تملك أوراق ملكيتها المختومة بخاتم العثمانيين وتملك مقبرة في أطرافها.

في 18 أبريل (نيسان) الماضي هدمت الجرافات الاسرائيلية العراقيب للمرة 112، وأعاد أهلها بناءها للمرة 112 أيضاً.

تبدو تلك القرية البدوية الصغيرة بعنادها الاستثنائي نقطة مضيئة في فوضى الإقليم، السكان الذين يواصلون بناء قريتهم للمرة 112 في سبع سنوات طويلة، احترقت خلالها حواضر كبرى وتهدمت مدن كبيرة وتفككت دول وسقطت أنظمة، بينما نساء ورجال البدو يعبرون الأثلام التي حفرتها جرافات "الدي 9" المتوحشة ويعيدون تسوية الأرض، وردم الحفر، وتمهيد التراب ونصب بيوتهم الصفيحية ويرتقون خيامهم الفقيرة التي مزقتها أسنان الجرافات.

لا استطيع تفادي التفكير بقرية العراقيب وأنا اتابع بدهشة يكتنفها ألم عميق، كيف وافقت بلدية فلسطينية مثل بلدية جنين على الرضوخ لتهديد جيش الاحتلال وازالة الصرح المقام في أحد ميادين المدينة لتخليد ذكرى الشهيد خالد نزال أحد قادة الجبهة الديمقراطية وابن منظمة التحرير الفلسطينية. كان ذلك الرضوخ، أياً كانت مبرراته، خطأ كبيراً.

فيما بعد سيتم تجاوز قرار الإزالة وستعود البلدية لبناء الصرح من جديد تحت ضغط موجة غضب شعبية واسعة.

وسيقوم جيش الاحتلال بهدمه من جديد.

سيعود النشطاء لبناء الصرح للمرة الثالثة.

تنظيم فتح في المدينة استنكر بدوره إزالة الصرح وساهم مع البلدية والنشطاء بإعادة بنائه في موقعه في شارع حيفا غرب جنين، الصرح الذي تتوسطه شجرة زيتون معمرة أحضرت من "قباطية" مسقط رأس خالد، كما أحضرت منها الحجارة التي استخدمت في بناء الصرح، هذا بحد ذاته شكل إشارة كانت جنين بحاجة لها.

رام الله أعلنت عن نصب تذكاري لخالد أيضاً.

بلدة "برقين" أطلقت اسم خالد نزال على أحد شوارعها.

"خالد نزال" ابن "قباطية" الضاحية الحميمة لجنين، الذي قاتل والده "أحمد نزال" مع ملهم الثورة الفلسطينية الكبرى (1936) السوري ابن جبلة "عز الدين القسام"، وواصل الابن سيرة والده إلى أن اغتالته "الموساد" في أثينا عام 1986.

بعد أكثر من ثلاثة عقود على اغتياله في العاصمة اليونانية، ما زال يؤرق دولة الاحتلال، بعد اغتياله شاباً وجميلاً، أستطيع أن أتخيله يصعد درجات "الأزبكية" في دمشق، ما زال يشكل كابوساً لضابط الاحتلال في شمال الضفة ورئيس وزرائه في "تل أبيب".

التغريدة التي وضعها "بنيامين نتانياهو" على حسابه معتبراً أن "الصرح يمجد الارهاب"، تهديد ضابط الاحتلال لبلدية جنين باقتحام المدينة في حالة عدم إزالة الصرح، اللافتة التي أحضرها معه ضابط الاحتلال ووضعها على ركام الدوار، لافتة مكتوبة بعربية ركيكة علقت بشرائط صمغ أسود، أزالها الشبان في جنين قبل أن تنعطف دوريات الاحتلال خارج الميدان.

تلك إشارات لمواجهة عميقة وشاملة أيضاً، كل شيء على هذه الأرض يمكن أن يتحول إلى مادة لمواجهة الاحتلال ومراكمة النقاط، الأسماء والصفات والصور والقصائد، أسماء الشوارع والميادين، هذا ما حدث مع "شارع محمود درويش" في "الطيبة"، ومع "دلال المغربي" التي لا يبعد الشارع المسمى باسمها كثيراً عن منزلي، في الاتجاه المقابل "ميدان جورج حبش" غير بعيد عن النصب الصغير الذي يحمل اسم "سمير قصير"، في حي "الماصيون" غير بعيد عن موقع "مؤسسة القطان" شارع يحمل اسم "ادوارد سعيد" وبعد شارعين فرعيين مركز "خليل السكاكيني" ...إلى آخر البيوت وآخر الشوارع، أولئك اخوة خالد ورفاقه أيضاً.

لا ينبغي التطوع بتنازلات وذرائع لإرضاء الاحتلال، وهذا ينطبق، أيضاً، وبشكل خاص على الأداء السياسي الرسمي الفلسطيني، الذي يواصل توضيح "حسن نيته" بمناسبة ودون مناسبة، "حسن النية" الذي يعيد الاحتلال انتاجه عبر الاستيطان والتهويد التغوّل على الناس.
تلك سذاجة لا ينبغي أن نحولها إلى حكمة.

أمس، الأربعاء، في ساعات الفجر اقتحمت قوات الاحتلال مدينة جنين واشتبكت مع شبان المخيم وأطلقت عليهم الرصاص الحي حيث استشهد شابان شيعتهما المدينة في المساء، غالباً جرى الاجتياح بقيادة نفس الضابط الذي هدد البلدية وطالبها بهدم الصرح التذكاري لخالد نزال.

هذا أيضاً درس جيد، رغم دمويته، لمن يعتقد، ولو بحسن نية، أنه يجنّب الناس "غضب الاحتلال" حين يرضخ لابتزاز قتلة من نوع ذلك الضابط الذي يقود مجموعة من المجرمين بأزياء جيش.