الأربعاء 17 أكتوبر 2018

تفسير بسمة الجزيرة للقذافي

العقيد الليبي معمر القذافي.(أرشيف)
العقيد الليبي معمر القذافي.(أرشيف)


اعتقد العقيد أن الجزيرة فرحة بزعامته مسرورة بتصريحاته، وتعطيه النصيب الأكبر، وتجري معه حوارات عديدة متى اشتهى حواراً واحداً
1-
كان أغلب الحكام العرب يرون في قناة الجزيرة منذ مولدها برنامجاً استراتيجياً غامضاً بدأ يتوضّح شيئاً فشيئاً، ثم بدا أن بعض البرامج عدوًّة لهم، فهي تأتي بآراء غريبة وغير مرغوب فيها، وصارت القناة تعطي الكلمة لتنظيم القاعدة والإخوان المسلمين، والكيان الصهيوني دفعة واحدة، وبدت الجزيرة عدوّة استراتيجية لأغلب هؤلاء الحكّام.

ولكن، كان من الصعب على بعض الحكام ، مثل الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح، أن يشكك كثيراً في مصداقية الجزيرة في البداية، فالقناة مفتوحة له، ولا ينافسه من الحكام العرب منافس آخر غير الأخ العقيد معمر القذافي.

2-
كان القذافي مأخوذاً بقناة الجزيرة، يرى نفسه ضمن الرؤساء ولكن ليس كالرؤساء، وملك الملوك في أفريقيا، وثائراً ليس كالثوار، وكانت الجزيرة قناة تشدّ الملايين من الجماهير العربية بمن في ذلك الرؤساء العرب الذين باتوا يتابعون قناة ليست كالقنوات، وهذا هو المطلوب.

وقبل الانهيار المدوّي ، لم يكن أيُّ من الرؤساء العرب يجرؤ على الاقتراب والهمس في أذْنِ معمر القذافي وَيجاهر بالقول  إن الجزيرة خطيرة، وإنها تدسّ السمّ في الدسم ؟ فقد كان سمع الأخ العقيد ثقيلاً، فلا تنفذ إليه النصيحة والتحذير والتنبيه، ويعتبرها شكلاً من أشكال الحسد على نجموميته الجماهيرية. وكم كان القذافي مع الجزيرة شبيهاً بالزوج المخدوع، هو اخر من يعلم بخيانة زوجته كما يقول المثل الفرنسي.
   
3-
وكان نظام صديق القذافي وجاره التونسي زين العابدين بن علي يحب الإعلام المنحاز، وكان حذراً متوجّساً من "الجزيرة"، ويفرق بين علاقات التعاون العربية مع دولة قطر، وَبين العلاقة مع قناة "الجزيرة"، ومع هذا، كان النظام مضطراً لإرسال إعلاميين وسياسيين ومحامين الى الدوحة حتى يدافعوا عنه في البرامج الحوارية، وكي لا يتهم النظام بالانسحاب الجبان وغير الديموقراطي في قناة شعارها الرأي والرأي الاخر.

فاصل أول:
كانت المقاهي في تونس ممنوعة بقرارات وتوصيات أمنية، وَهمسات وتهديدات لأصحاب المقاهي أن فتحوا التلفزيون على قناة الجزيرة في فضاءات تعجّ بالناس المجتمعين عامة، وبالعاطلين عن العمل خاصة، فالأمن لا يحتمل ان يتشارك الناس في الفرجة الجماعية على أخبار لا يرغب فيها الحاكم ومن شأنها بلبلة النظام القائم .

لم يكن هناك من سبيل الى إغلاق قناة الجزيرة في فضاء مفتوح، ساخر من الرقابة والرقباء. وهكذا، وجد المشرفون على المقاهي بديلاً عن قناة الجزيرة، في تلك القنوات المتخصصة في الموسيقى والأفلام السنمائية، والمنوَّعات ذات الطابع الترفيهي الخفيف، وكانت مثل هذه القنوات هي المنصوح بها أمنياً، ولم يستطع النظام التونسي أو غيره من تحويل وجهة الناس عن مشاهدة الجزيرة في بيوتهم أو الدخول في حرب مع القمر الصناعي.
  
وفي السنوات الأولى من العقد الأول في هذا القرن تمٌَ تضييق الخناق على الجزيرة، فلم يمنحها نظام الرئيس للتونسي زين العابدين بن علي رخصة لفتح مكتب، ورغم ذلك فإنّ الجزيرة كانت تسعى إلى تسريب أخبار عن تونس، والجزائر وليبيا، والمغرب، وموريتانيا، وكانت فقرة مسائية ينتظرها جمهور المشاهدين في المغرب العربي الكبير الممتد من َمن ليبيا إلى موريتانيا.

4-
قررت قناة الجزيرة أن تبتسم في وجه العقيد الليبي معمر القذافي رئيس الجماهيرية العربية اللبية الشعبية الاشتراكية العظمى، وظن العقيد أن اللبؤة، زوجة الليث، تبتسم،
وكان للجزيرة رأي اخر ينتهي بتجزيره.
واذا لم يحسم الناس والنقاد إلى اليوم في تأويل موحّد لابتسامة "موناليزا" أو الجوكندا في لوحة ليوناردو دافنشي الشهيرة، فان ابتسامة الجزيرة في وجه القذافي كانت حيلة انطلت عليه فلم يفهم، إلا بعد فوات الأوان، أن الابتسامة كانت تكشيرة ما قبل الانقضاض، وحين فهم العقيد صاح صيحته التراجيدية الشهيرة، في لحظة شكبيرية صاعقة: "من انتم؟" وكان يعني حكام قطر والجزيرة، وليس الليبيين كما أوهمت الجزيرة مشاهديها.
وكان هذا هو شان كلمة العقيد القذافي لحظة الاحساس بضربة القدر الغادرة.

فاصل ثان
والمشهد تاريخي وَ تراجيدي كما وصفه شكسبير في رائعة (يوليوس قيصر) حين رأى قيصر أن جميع معاونيه قد قرروا اغتياله، وبطريقة بشعة، واتفق الجميع أن يتلوثوا جميعاً بدمه وياخذ كلٌّ نصيبه من قيصر. وحين لمح قيصر "بروتس" ( المعدود من أبنائه ) من بين القتلة المتآمرين ( وقد بوّأه أعلى الرتب وقلده أكبر المناصب) صاح قيصر صيحته التي تخيلها شكسبير: "حتى أنت يا بروتس" ، فذهبت مثالاً شهيراً عن بلاغة الشعور بالخيبة في الصديق الموهوم والخلّ الكذوب .

5-
كانت ابتسامة الجزيرة صفراء في وجه القذافي التي يُعَدُّ من أشهر المكذوب عليهم، وقد أحسّ بالخديعة بعد فوات الأوان، و كشّرت القناة عن الحراب، وبرزت الحسناء في ثياب مصاص الدم .
لقد صاح العقيد في الجزيرة، وأحس أن قطر قد فتحت عليه باب الغدر على مصراعيه، ولعله تذكر المتنبي:
" طوى الجزيرة حتى جاءني نبأٌ / فزعتُ فيه بآمالي إلى الكذب"
ولعلّه كان يسمع المتنبي في قوله:
"إذا رأيْتَ نيوب الليث بارزةً ، فلا تظنّنَّ أنّ الليثَ يبتسمُ ".

6-
فتحت الجزيرة للقذافي باب الحوار، وجاملته، واعتبرته نجمها المفضل، وطفلها المدلل، وكانت تغذي فيه النرجس الذي استولى على روحه وغطى عينيه، وتنظر إليه باعتباره كبشاً لا بد أن يتمَّ تعليفه ليناطح الأكباش الأخرى إلى أن يأتي يوم الذبح في الربيع العربي.

ولقد كان القذافي في مستوى الفرجة والمسخرة والتهريج والعربدة التي أحبها عموم الجمهور العربي، فظهر مهرجاً قادراً على جلب الانتباه، واعتقد العقيد أن الجزيرة فرحة بزعامته مسرورة بتصريحاته، وتعطيه النصيب الأكبر، وتجري معه حوارات عديدة متى اشتهى حواراً واحداً، بل إن القذافي اعتقد أنه يملك الجزيرة، ويبادلها حباً بحب، ويتصرّف فيها، كما لو أنها مزرعته الفضائية ومالكها الأصلي، وهو يفضلها على قنواته الليبية التي يفتحها ويغلقها متى أراد. ولا أحد يعلم بحضورها وغيابها.

فاصل ثالث
يحكى أنّ الرئيس المصري السابق حسني مبارك قد استبد به الفضول لزيارة مبنى الجزيرة فاندهش من صغر المبنى مقارنة بما يملكه التلفزيون الرسمي المصري، وقال مستصغراً حجمها: "دي علبة كبريت" وبينت الأيام أن هذه العلبة كانت من خالص الكبريت.

7-
وانزعج معمر القذافي من الجزيرة، وهو في أيامه الاخيرة، وفي خطابه الاخير عبرعن خيبته التراجيدية من طعنة في الظهر من الأخوة في قطر، وخيانة ما اسماه بالماء والملح، و"المؤامرات" ضد الأنظمة العربية الاخرى، وكان عاجزاً عن تفسير بسمة الجزيرة، هذه الجوكندا الإعلامية الشهيرة، كما كان غير قادر على أن يسمع تحذيراً من خطورة الجزيرة، ومن ورائها النظام القطري الذي كان يحضّر، ويطبع في السرّ أعلاماً جديدة بديلة عن علم الجماهيرية في فبراير 2011، وفي الوقت الذي كانت الجزيرة تبتسم لمعمر القذافي الذي دست له الجزيرة السمّ في الدسم، فالجزيرة تفتح شاشتها لمعمر القذافي الذي ظن انه الفحل العربي الوحيد الذي تميز بالثورة، وان الثورة ستمس كل الانظمة باستثناء نظامه، وبلغ به الهوس والجنون أنه فكر في أن ينضمَّ لجموع المتظاهرين ضدّ من؟ ضد الدولة؟ ضد اللا دولة التي يمثلها ؟ فهو القائد الثوري، ولا يمكن أن تطلع ثورة إلا بعد توقيعه ووضع بصمته عليها، وحين علم أن المسالة تجاوزت المزاح تمترس في مقرات عديدة مختبئاً في بلاد واسعة وعريضة وغنية كان يحكمها طوال عقود أربعة بلا حكمة.
   
8-
لقد تأكد الأخ العقيد معمر القذافي أن القناة "الفتاة" لم تكن تبتسم،
وكانت تفتح له قبرًا لا صدرًا ولا قصرًا،
وكانت الجزيرة تطبخ له تجزيرة.
T+ T T-