الخميس 18 أكتوبر 2018

شكراً على المظاهرة.. شكراً على الحب

تظاهرة في لبنان رفضاً لاعلان القدس عاصمة لإسرائيل.(أرشيف)
تظاهرة في لبنان رفضاً لاعلان القدس عاصمة لإسرائيل.(أرشيف)


رغم "الحب" و"التضامن" وتجشم مشقة المسيرات والهتاف وصناعة الرايات واللافتات الكبيرة، فإن هؤلاء، موضوع التضامن و"النصرة"، ينحنون منذ وصولهم إلى هذه البلاد تحت قوائم طويلة من الحرمان، الحرمان من العمل والحرمان من التعليم والحرمان من تسهيلات السفر والتأمينات الصحية
يتظاهر لبنانيون في جنوب لبنان المطل على فلسطين، تصل المظاهرة إلى "بوابة فاطمة" حيث سترتفع أعلام ورايات ولافتات ويصعد خطباء إلى منبر مرتجل، ستدوي الأصوات فوق السياج والطريق العسكري الضيق الذي يحاذي السياج، ووراء كل ذلك يمتد شمال فلسطين المحتلة بسحره الخاص، السحر الذي تراكم على كل شيء؛ النباتات والخضرة والصخور والتراب والهواء وذكريات الناس التي تحرسها الأحلام، وحيث يتداخل الجمال بالحنين والخسارة وقوة الافتقاد الطويلة.

المظاهرة التي شارك فيها آلاف اللبنانيين وممثلو القوى السياسية والأحزاب والفصائل ولاجئون فلسطينيون عبر أهلهم هذه التلال، قبل نشوء البوابات وقبل السياج وقبل القوى والفصائل، في طريقهم الى الشمال، كان ذلك العبور المرتبك في عام النكبة أقل من فكرة اللجوء، كان فيه من "العودة" أكثر بكثير من "الهجرة". المظاهرة كانت للتضامن مع "القدس" في مواجهة قرار "إدارة ترامب" الاعتراف بها كعاصمة لـ"اسرائيل".

في الشمال، شمال مظاهرة الجنوب أيضاً، كانت هناك مسيرات يتقدمها ممثلو القوى والأحزاب والفصائل تجوب مركز العاصمة وساحة "رياض الصلح"، وترفع رايات وصور ولافتات من أجل القدس.

شكراً على الحب.

في نفس الوقت، ودون تنسيق مع المظاهرات، أعلنت في العاصمة نتائج الإحصاء الأخير للاجئين الفلسطينيين في لبنان، أبناء وأحفاد الذين عبروا إلى الشمال عام النكبة تقريباً من نفس النقطة التي جرت فيها تظاهرة التضامن مع القدس، اتضح أن عددهم يصل تقريباً ال 175 ألفاً، بدا الرقم صادماً ومفاجئاً تماماً، هل هؤلاء "هم"، جميعهم؟!، يمكن إخفاؤهم دون ضجة في أي حي من أحياء بيروت، ورغم ذلك، رغم "الحب" و"التضامن" وتجشم مشقة المسيرات والهتاف وصناعة الرايات واللافتات الكبيرة وتأطير الصور وتوفير الحافلات..إلى آخر ما تتطلبه مظاهرة ناجحة، فإن هؤلاء، موضوع التضامن و"النصرة"، ينحنون منذ وصولهم إلى هذه البلاد تحت قوائم طويلة من الحرمان، الحرمان من العمل والحرمان من التعليم والحرمان من تسهيلات السفر والتأمينات الصحية، قوائم تتغذى من الشكوك في "نواياهم ورغباتهم المبيتة" في "التوطين" وكسر "التوازن الطائفي"!، ويشارك فيها "الجميع" تقريباً، بما فيهم أولئك الذين ينظمون المسيرات ويكتبون اللافتات ويدبجون خطابات التضامن ويضعون خطوط سير المتضامنين، ويرسمون خرائط الطريق إلى القدس.

الأمر يشبه حالة "انفصام" متفق عليها، انفصام يشمل صدق الشارع وعبثية النخب السياسية.

تشير نتائج الإحصاء الأخير الى أن نسبة الأمية تصل إلى ما يقارب ال 8% في أوساط اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، هذه نسبة مخيفة حقاً، ولعلها النسبة الأعلى في التجمعات الفلسطينية على الإطلاق، وهي تعكس بجلاء أي نوع من السياسات تنتهج تجاه اللاجئين الفلسطينيين ويوضح فداحة الصمت.

الخديعة التي جرى استثمارها سياسياً، من قبل كل القوى السياسية والطوائف اللبنانية، تقريباً، المتمثلة في "تسكين" أعداد اللاجئين الفلسطينيين، كان الرقم المتداول يصل في إحصائيات الأمم المتحدة إلى ما يقارب نصف مليون، وكان كافياً لبث مخاوف "التوطين" واختلال التوازن الطائفي وكل هذه الترهات التي أصبحت سمة لسياسات هذا البلد "الممانع" تجاه أبناء القضية المركزية "المقدسة"، كانت البنية التحتية التي جرى عبرها بناء منظومة عنصرية من القوانين القائمة على الحرمان من العمل وتكدير حياة اللاجئين الفلسطينيين المكدرة باللجوء ودفعهم للبحث عن أماكن بعيدة عن لبنان تتوفر فيها الحدود الدنيا من الكرامة والأمن، وهي الأشياء التي افتقدوها لدى "توأم فلسطين" كما يحب البعض القول في مديح العائلة الشامية.

في العراق، أيضاً، سار مليون عراقي وعراقية في شوارع بغداد تضامناً مع "القدس"، مظاهرة كبرى لم تشهد بغداد مثلها منذ زمن بعيد، مظاهرة أطلت فيها بغداد على المنطقة واستعادت حضورها الخاص، بعد أن انزوت بعيداً في أزماتها التي خلفتها ديكتاتورية البعث وكوارث "التحرير" الأمريكي والوباء الطائفي، في نفس الوقت، نفس الوقت تحديداً وليس مجازاً، كان الرئيس العراقي، في افتراق واضح عن الشارع العراقي، يوقع على قانون، إشكالي، لم تنجح محاولة توضيحه، يقتطع من حقوق اللاجئين الفلسطينيين، الذين وصلوا هذه البلاد صبيحة النكبة، 1948، مع قطاعات الجيش العراقي العائد من فلسطين، الذين تم التخلص من معظمهم عبر مطاردات وقتل وتنكيل وخطف على أيدي مليشيات طائفية، وجرى إلقاء معظمهم في الصحراء على الحدود السورية العراقية، حيث رفضت الشقيقة الأخرى، سوريا، دخولهم إلى أراضيها، إلى أن اتخذت فنزويلا قراراً بمنحهم حق اللجوء إليها.

حسب الاحصائيات الأخيرة بقي من 40 ألف لاجئ فلسطيني أربعة آلاف في العراق.

يمكن إضافة اللاجئين الفلسطينيين في سوريا لهذه القائمة.

كذلك، يمكن التذكير بظاهرة "يوسف القرضاوي" الذي وصل عشقه للقدس حد تدبيج أشعار، رديئة، ولكنها تعبر عن مشاعره، مشاعره التي لم تمنعه من إصدار فتوى بعدم زيارة "القدس"، بكل ما تعنيه هذه الفتوى من إفقار أهل المدينة وتخريب أسواقها وتحطيم اقتصادها وتسهيل تهويدها.

ثمة حالة انفصام حقيقي هنا موروثة من ديكتاتوريات بائدة وأخرى تسعى، مفادها الهتاف باسم فلسطين واضطهاد الفلسطينيين.

لا تستطيع أن تحب فلسطين وأن تضطهد الفلسطينيين في نفس الوقت، لا تستطيع أن تجعل القدس قبلتك وأن تتجاهل المقدسيين، ببساطة لا يحق لك ذلك.
T+ T T-