الأربعاء 24 أكتوبر 2018

"متحف البراءة"

الروائي التركي أورهان باموك وغلاف روايته الأخيرة "متحف البراءة" (أرشيف)
الروائي التركي أورهان باموك وغلاف روايته الأخيرة "متحف البراءة" (أرشيف)
"متحف البراءة" هي الرواية الأخيرة لأورهان باموك، الروائيّ التركيّ الّذي حاز جائزة نوبل. الرواية التي كتبها باموك بعد نيله جائزة نوبل، هي غير الروايات الّتي استحقّ عليها جائزة نوبل، غير" أنا الأحمر" و"الكتاب الأسود" و"ثلج" هي روايات، فوق أنّها أصغر حجماً،على ضخامتها، من الرواية الأخيرة الّتي تقارب الثمانمائة صفحة. الفوارق لا تتوقّف هنا.

النّص الهائل فقير من هذه الناحية، بل هو قليل الأحداث، قليل الدراما، بقدر ما هو سخيّ بالأشياء والتفاصيل
ثمّة غيرها كثير. فالروايات الثلاث الّتي ألمحنا إليها تكاد تكون كلّها وثيقة الصلة بالسياسة التركيّة، ويمكننا القول إنّها تتناول السياسة من بعيد ومن قريب، إلماحاً أو مباشرة، وهي في هذا التناول تملك نسقاً متقارباً، إن لم نقل إنّها تحمل وجهة متقاربة أيضاً، فالموضوع السياسيّ الغالب على هذه الروايات هو نقد الأتاتوركيّة. في غير رواية، بل في عدّة روايات يتركّز الموضوع حول عواقب الأتاتوركيّة.

ليس باموك الذي يحسن أكثر من لغة أجنبيّة معادياً للأتاتوركيّة من جهة تقليديّة أو معادياً للغرب، لكنّ باموك الّذي عاش بعد الأتاتوركية يعالج عواقب التغريب الأتاتوركي. الأتاتوركيّة الّتي بدت في حينه دعوة للحداثة وللنهضة وللتخلّص من الإرث الشرقيّ، على كلّ مستوى: العلمانيّة واللباس الغربيّ والألفباء اللاتينيّة، وإلغاء مظاهر الحياة الشرقيّة وفرض مظاهر غيرها والإنبعاث القوميّ بدل الخلافة. باموك يعالج الطيش والتسرّع والقفزة غير التاريخيّة الّتي كانتها الأتاتوركيّة. ولعلّ عودة الإسلاميّين إلى المشهد وإلى السلطة شاهد على هذه العواقب التي جرّتها الأتاتوركيّة.

في إحدى رواياته يروي باموك قصّة النحّات االتركيّ الّذي ينحت في معزل تحت الأرض مظاهر الحياة التركيّة التقليديّة الّتي زاولها الأتراك قروناً بعد قرون واضطّرهم أتاتورك إلى عيشها بسريّة وتحت الأرض. كما يروي في إحدى رواياته الأخرى قصّة الفنّ الإسلاميّ الّذي يزعم أنّ اللون الأحمر كان لونه الأثير. كما أنّه في رواية "ثلج" يؤرّخ للإنبعاث الإسلاميّ في مواجهة الأتاتوركيّة.

في روايته الأخيرة لا يتناول باموك السياسة، روايته بخلاف الروايات الّتي أشرنا إليها، تعالج الحياة الإجتماعيّة التركيّة في نهاية القرن الماضي. يمكننا أن نجد فيها حنيناً إلى تركيا، وإلى الأعراف التركيّة من الكاتب الذي غادر تركيا إلى أوروبا غداة نيله جائزة نوبل. في هذه الرواية الّتي تتجاوز السبعمائة صفحة لا تستطيع الكلام عن ملحمة. طول الرواية قد يجعلنا نتوهّم ذلك أمّا في حقيقة الأمر فالرواية أبعد من أن تكون ملحمة، وإذا جاز أن نطلق عليها تسمية فهي أقرب الى سرد طويل واقعيّ. وبخلاف روايات باموك الّتي سبقتها والّتي يغلب عليها الجانب الفانتازيّ أو على الأقلّ، يدخل فيها الجانب الفانتازيّ. رواية باموك كما أطلق عليها "متحف" وهي عبارة عن متحف حقيقيّ بني على قصّة حب.

قصّة حب فقط، ولا نستطيع أن نقول عنها ملحميّة، فهي رغم طولها ليست إلاّ سرداً طويلاً، حافلاً بالتّعداد والتفاصيل والأشياء لكنّه ليس بالدرجة نفسها حافلاً بالأحداث والصراعات. في وسعنا القول إنّ النّص الهائل فقير من هذه الناحية، بل هو قليل الأحداث، قليل الدراما، بقدر ما هو سخيّ بالأشياء والتفاصيل، إذا جازالقول، وهذه على امتداد واحد، إمتداد أفقي، بل هو مبالغ في أفقيته. خلاصة الرواية لا تحتاج إلى كثير سرد، إنّها قصّة الشاب المقبل على خطبة "سيبل" الّتي تعمل عنده في شركته، فهو وارث ثريّ.

للشاب كمال علاقة شبه يوميّة ببائعة، لانسمعها تجادله في خطبته وتحضرها، لكنّ الخطيب لا يفكر أثناء الخطبة إلاّ بها. بعد الخطبة تختفي العشيقة حتى عن بيتها. بعد ذلك يتوتّر العاشق وتنتبه الخطيبة إلى ذلك فتتركه. يداوم العاشق البحث عنها إلى أن تصله رسالة منها. يوافيها في بيتها فيجد أنّها تزوّجت. هكذا ينتهي الأمر به إلى أن يقضي ثماني سنوات يزورها مع زوجها وأهلها كل ليلة تقريباً، سارقاً كل ما تلمسه أو يتصل بها. تتطلق فيخطبها إلى أن يودي بها وهي برفقته، حادث سيارة.

هذه الرواية وهي كما نرى، سرد فقير بالأحداث. فثمة مئات الصفحات تقص سهرات الثماني سنوات، وثمّة سرد طويل لقلقه أثناء غيابها، وهناك بالتفصيل كلّ ما سرقه كمال لمتحفه. ونخال أنّ هذا التطويل كان عن عمد، فهذه تركيا امامنا وهذه هي الأحياء التركيّة واليوميّات التركيّة.
T+ T T-