السبت 20 أكتوبر 2018

أبناء الفلوس

تعبيرية.(أرشيف)
تعبيرية.(أرشيف)


ل يُدرك هؤلاء أن مربي الحيوانات –وهم الذين أراحوا رؤوسهم أصلاً من صداع تنشئة الصالحين والأسوياء- يُحذّرون بشدة من تربيتها بأعداد كبيرة مخافة ألا تُلبى احتياجاتها الأخرى من عاطفة وتمشية واستعراض في "انستاغرام"؟
أثارت آراء سعادة سعيد صالح الرميثي، عضو المجلس الوطني الاتحادي عن إمارة أبوظبي، جدلاً واسعاً في وسائل التواصل الاجتماعي على مدار الأيام القليلة الماضية، حيث وُجد أصغر مرشح فائز في الانتخابات يدافع عن كفاءة النسب، وينتقد أي زيجة سوى التقليدية، بل ويشدد على أن قرار اختيار شريكة المستقبل يجب أن يُترك لوالديّ الشاب.

وجرياً على عادتي في الكسل، فلن أطرق مفتاحاً إضافياً على "كيبوردي" للخوض في هذه الآراء، فالمغردون والناعبون على حد سواء قد "كفّوا ووفوا" هذه المرة.

ولكن حين أصرّ سعادته على أن التناسل هو الهدف الأسمى من الزواج بين أفراد صنف الهوموسيبيان، معتبراً أنثى الإنسان التي تضع الأولوية للحفاظ على قوامها قد قصّرت في مطلب شرعي ووطني، فإن الردود عليه هي التي وجّهت اللطمة الأقسى إلى وعيي.
بعدما شاهدت دموع الإفلاس تتساقط من أعين الآباء والأمهات بكثافة الأوراق النقدية الخارجة من محفظاتهم، لا أجرؤ على إنكار الأهمية البالغة لتوفير احتياجات الطفل المادية، حتى يكاد الأمر يصبح هاجساً للمعتنين به.

ولكن من المخيف حقاً أن تُختزل عواقب الإنجاب دونما هوادة في هذه التكاليف والفواتير، وأن أرى الناس تتخذها كالحجة الأكثر منطقية وقوة عند مطالبتها بـ"التفريخ". إنهم يعترضون وكأنما لا عائق واقعياً أمام استخراج 12 شخصاَ صالحاً سوياً من دزينة الأطفال التي سينجبونها سوى في انعدام قدرتهم على توفير 12 آيباداً صالحاً للاستخدام!

وإن كنا نشكك في قدرة المعلم على شرح قواعد الجر والنصب والرفع إذا ما اكتظت حصته التي لا تتجاوز مدتها الساعة بالصغار، ونعيب قدرته على حفظ النظام بينهم وإرساء دعائم الأخلاق فيهم، فكيف نتوقع من الآباء والأمهات المُثقلين بالأطفال أن يبرعوا في حصتهم التي لا يدق "جرس الإفراج" عنها، ولا تساهل مع الراسبين فيها؟

هل يُدرك هؤلاء أن مربي الحيوانات –وهم الذين أراحوا رؤوسهم أصلاً من صداع تنشئة الصالحين والأسوياء- يُحذّرون بشدة من تربيتها بأعداد كبيرة مخافة ألا تُلبى احتياجاتها الأخرى من عاطفة وتمشية واستعراض في "انستاغرام"؟

وإن كنا سنواصل استباحة تكديس الأطفال متى ما توفر لنا الماء والمرعى، فهل سننتظر الجوع الفعلي والعطش لنفكّر مجرد التفكير فيما سبقنا إليه مناصرو البيئة في الغرب من ضرورة تقليل الإنجاب عموما للتخفيف على كوكبنا المسكين؟

أما المعقّدون والمرضى والنسويات –شافاهم الله جميعاً-، والذين قد يأخذون منحى فلسفياً في النظر إلى موضوع الإنجاب، فيقولون إن عدم الإتيان بالطفل وتركه "عدماً" –إن صح التعبير- سيعفيه من كل الشرور والآلام التي لم يختر يوماً القدوم إلى العالم لمواجهتها، فأعتقد بأننا قطعنا رأس فتنتهم منذ زمن بعيد، ولم نحتج إلى تدخّل سعادة سعيد الرميثي لضربها بفأس "الشرعية والوطنية".
أفلسنا نحن من لا نؤمن بحرية الاختيار أصلاً حين يتعلق الأمر بالإنجاب؟
T+ T T-