الإثنين 24 سبتمبر 2018

لكنْ لماذا فنزويلّا؟

من مظاهر الفقر في فنزويلا.(أرشيف)
من مظاهر الفقر في فنزويلا.(أرشيف)


الكارثة راحت تتفاقم يوماً بيوم. مثلاً: 150 بليون دولار بات حجم الدَين الخارجيّ الذي لا تملك كراكاس شيئاً من مقوّمات سداده. النزوح بدأ مع عهد تشافيز، لكنّه تعاظم
هناك لبنانيّون كثيرون لديهم أقارب مهاجرون في فنزويلّا. هؤلاء بدأوا منذ سنوات قليلة يتساءلون بكثير من الحيرة: لقد هاجروا لأنّ فنزويلّا بلد أغنى من بلدنا، فلماذا يحصل الآن؟

و"ما يحصل" هو أنّ هؤلاء اللبنانيّين شرعوا يرسلون لأقاربهم البعيدين سلعاً أوّليّة تبدأ بالصابون ولا تنتهي بالأدوية.

واقع الحال أنّ فنزويلّا بلد منكوب. ومنذ سنوات، بدأ النزوح المليونيّ يتحوّل إلى إحدى أبرز العلامات على نكبتها.

فبلدان كأفغانستان وأثيوبيا وأريتريا و"جمهوريّة الكونغو الديمقراطيّة" ويوغسلافيا السابقة والعراق وسوريّا وميانمار... عاشت، وبعضها لا يزال يعيش، ظاهرة التهجير المليونيّ للسكّان. الظاهرة الوحشيّة هذه ارتبطت بأسباب تتشابه كثيراً، تتصدّرها الحروب الأهليّة التي غالباً ما استجرّت تدخّلات إقليميّة أو دوليّة. وقد نجد أيضاً بين الأسباب نظاماً مستبدّاً هنا، وتنافساً على الموارد هناك يؤجّج النزاعات الداخليّة.

لكنْ ماذا عن فنزويلاّ التي بات عدد من تطردهم الفاقة والندرة من سكّانها يقارب الخمسة ملايين؟

نبدأ بالمعطيات الأوّليّة: السكّان 32 مليوناً والمساحة 880 ألف كيلومتر مربّع. تعدّد طبيعيّ وجغرافيّ بالغ. نسبة تمديُن من الأعلى في أميركا اللاتينيّة. ثروة نفطيّة وكمّيّات ضخمة من الذهب والحديد والفحم والموادّ الأخرى. هذا كلّه تبدّد تدريجيّاً، إنّما على نحو تصاعديّ.

هوغو تشافيز حكم بين 1999 و2013، تاريخ وفاته. لقد حكم بوصفه "زعيم الفقراء" الذي يصبّ ملايين الدولارات في برامج اجتماعيّة. العلاقة كانت ريعيّة بحتة لا يتميّز "اشتراكيّها" عن "رأسماليّها" أو "إقطاعيّها". هكذا تحلّ الرشوة محلّ الاقتصاد الحديث ومؤسّساته. الاعتماد الهائل على النفط بتصديره إلى الخارج ثمّ باستخدام عائداته في الرشوة صار هو وحده الاقتصاد. الفقر في مدن الصفيح، وبعضها ينتشر على التلال المحيطة بالعاصمة كراكاس، ظلّ يفضح هذا التوجّه ويشير إلى قصوره.

حلّ محلّ تشافيز تلميذه ونائبه نيكولاس مادورو الذي كان عليه أن يقاوم انخفاضاً هائلاً في أسعار النفط، تلاه نقص في الموادّ الأساسيّة، وتصاعد مدهش في التضخّم. انضافت العقوبات الاقتصاديّة القاسية التي فرضتها الولايات المتّحدة الأمريكيّة ردّاً على تشويه العمليّة السياسيّة والديمقراطيّة وقمع المعارضة.

الكارثة راحت تتفاقم يوماً بيوم. مثلاً: 150 بليون دولار بات حجم الدَين الخارجيّ الذي لا تملك كراكاس شيئاً من مقوّمات سداده.

النزوح بدأ مع عهد تشافيز، لكنّه تعاظم مع تسلّم مادورو في 2013، حيث تزايد الفساد والمحسوبيّة والسلطويّة في آن معاً. في المقابل، تناقصت الكاريزما التي تمتّع بها الزعيم الراحل، وانفجرت بعض نزاعات الأجنحة في ما بين التشافيزيّين أنفسهم. السلطة، إذاً، راحت تخسر هيبتها فيما هي تخسر قدرتها.

في العقدين الأخيرين، أكثر من 4 ملايين غادروا البلد باحثين عن حياة أفضل. بعضهم يعود إليه وبعضهم لا يفعل والبعض الثالث يتأرجح بين بلد الأصل وبلد الهجرة.

أرقام اللجوء في ارتفاع يوازي تنامي النقص في الموادّ الغذائيّة والطبيّة والسلع الضروريّة الأخرى. ما يزيد البؤس والمخاوف أنّ التدفّق الكثيف على كولومبيا الفقيرة قد يدمّر العمليّة السياسيّة في بوغوتا بين السلطة وجبهة "فارك"، والتي استغرق الوصول إليها سنوات مديدة من الجهد والإعداد والأكلاف. هو أيضاً قد يسيء إلى محاولات التصدّي لمافيات الجريمة والمخدّرات التي تجد بين اللاجئين مَن تستغلّ عذاباتهم ويأسهم. ثمّ، في حال انتشار أيّ وباء، بسبب ظروف مناخيّة مرفقة بندرة الدواء وقلّة مياه الشرب النظيفة، فإنّ الهجرة الجماعيّة قد تفضي إلى أزمة صحّيّة على امتداد الأميركيتين.

لقد بات استمرار هذا النظام الفنزويليّ عبئاً على الفنزويلّيّين كما على جوارهم. كذلك بات سقوطه شرطاً لحياتهم وحياة سواهم.
T+ T T-