الأحد 23 سبتمبر 2018

صراحة

تطبيق صراحة.(أرشيف)
تطبيق صراحة.(أرشيف)


نمتلك الحرية القصوى لأن نلغي متابعة من نشاء. بل إن هذه التطبيقات في حد ذاتها لا تلزمنا بعقود ومواثيق، فبضغطة زر أخرى، نمحو حساباتنا فيها، أو نرسلها بأكملها إلى سلة مهملات هواتفنا
استقبلت بحبور شديد خبر إغلاق تطبيق "صراحة"، والذي يُتيح للناس أن يدلوا برأيهم حولك عبر رسائل مجهولة المصدر.

وتتباين التبريرات لإغلاقه، فهناك من يزعم قتل طفلة في الـ14 من العمر لنفسها جرّاء تعرّضها للتنمر عبر التطبيق، وهناك من يقف عند تلقيها رسائل تحضها على الانتحار.

ولطالما تذمرت شخصياً عبر مواقع التواصل الاجتماعي من "صراحة" ومن هم على شاكلته من تطبيقات تسمح للمتسترين بضعفهم ونفاقهم، أو حتى المستهترين بتعريفهم للظرافة والاستفزاز، بترك الرسائل والتعليقات للآخرين، والتي من المحتمل جداً أن تؤدي بالمشرط إلى وريد أحدهم، أو بجرعة زائدة من الحبوب في جوفه.

بطريقة ما، لطالما ذكرتني هذه التطبيقات بالشعار الذي اعتمده صامويل كولت، مخترع المسدس، للترويج لبضاعته:

"إبراهام لينكولن حرر جميع البشر، ولكن كولت ساوى بينهم"، في إشارة إلى أن المسدس قضى على التفرقة التي خلقها السيف، فساوى برصاصاته الغادرة بين الهيّاب والشجاع.

وهكذا فعلت التكنولوجيا.

ولكن على الرغم من معارضتي الشديدة للتنمر، وتحذيري المستمر منه، فإني أشك أحياناً بأنه ربما بتنا نحن الجبناء الحقيقيين.

فكّروا فيها: إننا بضغطة زر نمارس ديكتاتورية الحظر ضد أي كان لأي سبب كان، أو نبني جداراً زجاجياً عازلاً للصوت بزر "الميوت"، فنضع من لا يعجبنا حديثه أمام مرآة يجهل بأنه يعارض ويشتم –بل ويفحم- فيها نفسه. بل "تويتر"- مثلاً- يُمكننا من أن نكتم تعليقات جميع المتناقشين حول تغريدة ما، ليبدو الأمر وكأنهم قبيلة بدائية تلوّح بسهامها إلى طيّارة تعصمها عن ضوضائهم آلاف الكيلومترات.

إننا كذلك نمتلك الحرية القصوى لأن نلغي متابعة من نشاء. بل إن هذه التطبيقات في حد ذاتها لا تلزمنا بعقود ومواثيق، فبضغطة زر أخرى، نمحو حساباتنا فيها، أو نرسلها بأكملها إلى سلة مهملات هواتفنا، لتتعفن مع أرقام من نبغض، وآلاف الصور التي تحركت فيها قططنا أثناء "الفلاش".

وبينما تحصننا كل هذه الخصائص التقنية من التنمر والإساءات والتجريح، فهي أيضاً تخلق لنا عالماً وهمياً زائفاً من "المساواة"، حيث يتفق فيه معنا الجميع، ويجزم بصوابنا فيه الجميع، ويرى فيه الجميع أن آراءنا منطقية وتستحق الاحترام، وإن أشهروا ضدنا سيوفاً، فهي من الحرص والاهتمام والنقد البناء.

ولا يختلف هؤلاء الملائكة معنا فعلياً إلا حين يصرون على اغداق محبتهم وتقديرهم وإخائهم علينا، فنفتعل الخجل على طريقة العرب حين يبادر ضيفهم لدفع فاتورة العشاء.

على مدار 8 سنوات، كثيراً ما عبثت بعقلي أبعاد هذا الوهم الذي تضعنا في وسطه وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تضيع أناملنا بين الحقيقة والسراب.

ولكن إذا كانت ضريبة العودة إلى أرض الواقع، والتعايش معه كما هو عوضاً عما نود له أن يكون، هي بأن نسمح لبعض القناصة بأن يصوبوا بنادق خستهم علينا من بعيد، فلم لا نُبقي على "صراحة" وإخوانه شواهد على العصر





T+ T T-