الجمعة 14 ديسمبر 2018
موقع 24 الإخباري

الغوطة شرقية مثلما كانت حلب شرقية أيضاً

أطفال يلعبون وسط الركام في الغوطة الشرقية (أرشيف)
أطفال يلعبون وسط الركام في الغوطة الشرقية (أرشيف)


المشترك بين الغوطة وحلب أنهما شرقيتان، دون أن يعني ذلك أن مصيرهما مصير حمص وحماة، وأريافهما التي لا تزال ثائرة رافضة للأمر الواقع، ودون أن يعني ذلك أن المميزات الجغرافية والديمغرافية ستمنعان استمرار المذبحة، أو الحصار
يردد محللون هذه الأيام أن الغوطة ستكون مختلفة عن حلب، وأن سقوطها غير مرجح لأسباب جغرافية تتعلق بالتصاقها بالعاصمة، وعدم وجودها قرب حدود دولية حال حلب، ولأسباب ديمغرافية تنسب جميع المقاتلين فيها إلى المنطقة ذاتها، وبالتالي سيكون دفاعهم عنها دفاعاً عن الشرف والعرض، وليس ما يشبه الاستسلام الذي حصل في حلب، كون أفراد الكتائب التي كانت تسيطر على حلب الشرقية جاؤوا من ريف حلب وريف إدلب.

لكن محللين آخرين يرجحون أن الكثافة النارية الموجهة نحو الغوطة، وفق تعبير "الأرض المحروقة"، يزيل كل الفروق بين الغوطة وحلب، خاصة أن الحماية السياسية الروسية للنظام في مجلس الأمن الدولي، والمشاركة الفعلية للطيران الحربي الروسي في قصف الغوطة، سيعطيان الجهة المهاجمة كل الوقت لتحطيم مقاومة المدنيين والعسكريين في الغوطة.

وغوطة دمشق الشرقية تحد العاصمة دمشق من شرقها، لكنها تمتد عمرانياً إلى شمال شرق العاصمة أيضاً، بمساحة جغرافية تبلغ 110 كيلومترات مربعة، ويسكن مدنها وبلداتها وقراها، حالياً، وتحت الحصار، نحو 400 ألف نسمة (2.2 مليون نسمة عام 2011).

وخرجت الغوطة، بجزئيها الشرقي والغربي المحيطين بالعاصمة، عن سيطرة النظام منذ نهايات 2012، فعانتا حصاراً شديداً منذ منتصف 2013، حتى استعاد النظام السيطرة على الغوطة الغربية مع انسحاب مقاتلي داريا في 27 يوليو( تموز) 2017، وإفراغ المدينة من سكانها المدنيين في اتجاه إدلب.

قد تبدو الغوطة الآن، ومنطقياً، على بعد أسابيع، أو أشهر، من الهزيمة، على الرغم من تواجد حوالي عشرين ألف مقاتل فيها، تعداد "جيش الإسلام" يقدر بعشرة آلاف مقاتل، إضافةً إلى تسعة آلاف ينتمون إلى "فيلق الرحمن"، عدا عن عدد غير معلوم لـ"حركة أحرار الشام"، ورقم يُقدر بمئتي مقاتل ينتمون إلى "هيئة تحرير الشام".

فسياسة الأرض المحروقة نارياً، إضافة إلى سياسة "الجوع أو الركوع"، لا تزالان السلاح الأقوى في يد النظام، بتواطؤ أممي وجد ترجمته، الإثنين، في مصادرة حاجز النظام الأسدي، على معبر مخيم الوافدين على مشارف دوما، 70 في المئة من الأدوية والمعدات الطبية، بما فيها الأنسولين الضروري لمرضى السكري. هذا بدوره يترجم الموافقة الروسية على المضي في حرق الأرض، وهي سياسة روسية أصلاً، نفذتها بنجاح في غروزني قبل سنوات، وكادت تنجح القوات الصربية في تنفيذها بعد مذابح سربرينتشا في البوسنة، لولا التدخل الأطلسي الذي أتى متأخراً، لكنه أنقذ ما تبقى من سكان.

إذاً، رضخ كل من روسيا والنظام، بعد تسعة أيام من التصويت على القرار 2401، للضغط الدولي، ودخلت مساعدات للمدنيين قد لا تكفي لأكثر من شهر، فيما تجهد القوات الكردية في عفرين لحشد قوات أكثر استعداداً للدفاع عن مدينة عفرين، بسحب مقاتلين ينتمون إلى "قوات سوريا الديمقراطية" من كل من الرقة والطبقة وعين عيسى وديرالزور في اتجاه عفرين.

ومن المعلوم أن هدنة الـ2401 تشمل عفرين أيضاً، لكن تركيا لم تعترف بذلك، أو تقر به، شأنها شأن روسيا التي تحدثت عن بروتوكول تفاهم لتنفيذ الهدنة لم يتضمنه القرار الدولي.

في كل الأحوال، لا مفر من ربط مواقيت بداية المعركتين في الغوطة الشرقية، وفي عفرين، حتى لو سبق الأتراك الروس والنظام وبدأوا معركتهم في 21 يناير (كانون الثاني) الماضي، متقدمين على معركة الغوطة بحوالي شهر. كما لا يمكن نفي ترابط معركة "درع الفرات" الموجهة ضد داعش نهايات أغسطس (آب) 2016، حسب تركيا، ومعركة حلب في ديسمبر (كانون الأول) 2016، التي انتهت بفقدان الفصائل المعارضة آخر معاقلهم في حلب الشرقية.

كل ذلك يجعل التخاذل الدولي في محله الطبيعي، ليس لافتقاده القدرة على تمرير قرار أممي مسلح بالأسنان في حالة الغوطة وعفرين، بل لفقدانه القدرة على تفعيل 17 قراراً أممياً تحدثت عن هدنات لم تجد لها مكاناً على الأرض السورية منذ 2011. أكثر من ذلك، يبدو أن الأمم المتحدة، والصليب الأحمر الدولي، ومنظمة هيومان رايتس ووتش، عاجزون حتى عن إصدار إدانة لفظية، فلسان حالهم يكاد يقول "لا نريد إزعاج النظام، لأنه يملك القدرة حتى على منع دخول الخبز والماء إلى المحاصرين"!

وفي النتيجة، يبقى أن المشترك بين الغوطة وحلب أنهما شرقيتان، دون أن يعني ذلك أن مصيرهما مصير حمص وحماة، وأريافهما التي لا تزال ثائرة رافضة للأمر الواقع، ودون أن يعني ذلك أن المميزات الجغرافية والديمغرافية ستمنعان استمرار المذبحة، أو الحصار، فالمعلوم أن هاتين الميزتين مثلما تشكلان نقاط قوة، قد تكونان نقاط ضعف، لأن العدو يعلم مدى أهميتهما ويريدهما له، لا عليه.
T+ T T-