السبت 22 سبتمبر 2018

"جهة الشعر"..كما لو أن الأمر كان متوقعاً

الشاعر قاسم حداد (أرشيف)
الشاعر قاسم حداد (أرشيف)
لا يرغب الشاعر قاسم حداد، كعادته، في الإسهاب وهو يتحدث عن توقف موقع "جهة الشعر"، تحفظ أمام أسئلة الصحافة التي بحثت عن "الأسباب الكامنة" وراء توقف أحد أهم المواقع في المشهد الثقافي العربي وأكثرها تأثيراً، ليس ثمة أسرار هنا، الإعلان المقتضب الذي يتصدر الموقع الآن يشير، دون تفجع، إلى ضعف التمويل أو غيابه، كما لو أن الأمر كان متوقعاً.

"جهة الشعر" كانت أقرب الى اقتراح ثقافي مفتوح على التعددية والابتكار وحرية الكتابة، وهو ما سمح للموقع أن يستوعب مختلف التجارب الشعرية، وأن يتحول الى مختبر
قبل 22 عاماً، في العام 1996، أعلن قاسم حداد إطلاق "جهة الشعر"، كانت تلك قفزة مبكرة، أقرب الى مغامرة شعرية بحد ذاتها، حين كان العالم يقف على تخوم "العالم الافتراضي" باحتمالاته المفتوحة خارج الحدود وحيث تصل المخيلة.

كانت هناك مبادرات شبيهة تحاول أن تخرج من نمط "المؤسسة الثقافية" السائدة، الرسمية غالباً، أو تلك الخارجة من أكمام المؤسسة الرسمية ومعاييرها وهي تحمل جيناتها.

"جهة الشعر" ذهبت أبعد، كانت أقرب الى اقتراح ثقافي مفتوح على التعددية والابتكار وحرية الكتابة، وهو ما سمح للموقع أن يستوعب مختلف التجارب الشعرية، وأن يتحول الى مختبر يحتفى بمنجز القصيدة العربية الحديثة بأشكالها الرئيسية الثلاثة؛ القصيدة العمودية وقصيدة التفعيلة وقصيدة النثر، قصيدة النثر كانت غالبة، لأن حضورها كان طاغياً ولا زال، ولكن ذلك لم يمنع من الحضور القوي للأشكال الأخرى، السياق كان واضحاً والمعيار كان الشعر.

البوابات التي انفتحت حملت مسميات قادمة من دلالات عميقة في الإرث الثقافي العربي وصولاً الى الراهن:
عربة النار، منسيات الآلهة، غريب يدخل البيت، خذ الكتاب بقوة ...

خلال مسيرته تمكن الموقع من إقامة صلاته مع أجيال من التجارب الشعرية، الأسماء الراسخة والتجارب الجديدة والأجيال الشابة من الذين لم تنصفهم المطبوعات الرائجة في ذلك الوقت، عبروا بوابة الجهة بنصوصهم وحواراتهم وتجاربهم.

هناك وعبر 22 عاماً من العمل امتدت شبكة هائلة بموازاة العالم الحقيقي، دون مبالغة أو أحكام مسبقة، أسماء كثيرة بدأت من هناك وأسماء أخرى عززت حضورها، وخلف البوابات وأيقونات الجهة تشكل الأرشيف الأكثر أهمية للشعر العربي الحديث، فيما يشبه وثيقة تاريخية تشمل الى جانب النصوص الدراسة والبحث والترجمة والحوار.

مع توقف "جهة الشعر" تصل الخسارة الى المنحنى الذي كان يخفي الانهيار.

ليس الأمر إغلاق موقع ثقافي بقدر ما هو إغلاق فكرة الانفتاح والحوار والاستقلال الذي كان الموقع يتمتع به.

لأمر ما أتذكر توقف مجلة "الكرمل" التي أسسها الراحل محمود درويش وواصل رئاسة تحريرها، وتنقلها بين بيروت وقبرص الى أن استقرت في الطابق الثاني في منزل خليل السكاكيني في رام الله الذي تحول إلى مركز ثقافي.

كانت "الكرمل" منفتحة على المنجز الثقافي العربي برؤاه وحداثته وجدله، وكان هناك إصرار على استقلاليتها، الاستقلال منحها حرية الاختيار وفضاء الاختلاف الذي تفتقر إليه غالبية المطبوعات التي يمكن ملاحظة أنف الممول ورائحته في ثناياها، كانت في منطقة ما تبدو محافظة وهي تصر على جسدها الورقي وتصميمها وأبوابها، كما لو أنها عبر ذلك تحافظ على تلك العلاقة الجسدية مع القارىء، على التقليد البسيط للطباعة والنشر وآليات التوزيع ورفوف المكتبات.

ولأسباب يتشابه بعضها ويتداخل في متوالية من الخسارات، توقفت "الكرمل" عن الصدور.

الأمر هو "الخسارة"، فكرة السعي التي تتعثر في سياق مؤسف من لا أبالية طاغية، من تسونامي القيم التي يتم دفعها نحو الشارع، سلطة الخفّة وبؤس الاختيارات والبدائل الجاهزة.

الخسارة هنا لا تتعلق بتوقف موقع بهذه الأهمية بسبب التمويل، ولكن وعلى نحو متعمد، بإقصاء القيم العميقة واستبدالها.
T+ T T-