السبت 20 أكتوبر 2018

ريم بنّا.. طائر الغناء الجميل الذي حطّ على شجرة فلسطين

الفنانة الفلسطينية الراحلة ريم بنا (أرشيف)
الفنانة الفلسطينية الراحلة ريم بنا (أرشيف)
رغم ليلة الأمس الحارة في فلسطين، حمل الصباح كماً هائلاً من المطر، لا أظن الأمر حدث مصادفة، بل هي السماء تبكي على فراق ابنة بارة لوطنها، على الغزالة البيضاء "ريم بنّا" تخلع عنها ثوب السقام للأبد، تاركة الجميع في حالة صدمة مما حدث.

رحلت "ريم بنّا" صوت فلسطين المقاوم، صباح اليوم السبت، تاركة إرثاً جميلاً، لن ينسى، ما دام صوتها يسمع في مكان ما بفلسطين، أو خارجها. رحلت بعد صراع مرير مع السرطان الذي لم ينل من عزيمتها ولم يغير نقاء ابتسامتها، حاول مراراً أن يطيح بشجاعتها إلا أن جيش قوتها كان دوماً حاضراً مستعداً لكسر المعتدي حتى اللحظة الأخيرة.

9 سنوات والمعركة مستمرة، حتى خرجت علينا والدة ريم الأديبة والشاعرة الفلسطينية زهيرة صباغ، بأبيات شعرية تحمل خبر رحيل نجمة لا يطاق فراقها، قائلة:

رحلت غزالتي البيضاء
خلعت عنها ثوب السقام
ورحلت
لكنها تركت لنا ابتسامتها
تضيء وجهها الجميل
تبدد حلكة الفراق

رحل الجسد، وبقيت ريم بروحها القوية وبصوتها الدافئ تدق باب كل فلسطيني، تذكره بمجده، وبوطنه، وبأغنية الأمل تبعث بالحياة، وتبشر بكل شيء جميل.

نشأتها
ولدت "ريم بنّا" في عام 1966 في مدينة الناصرة، عاصمة الجليل، وهي ابنة الشاعرة الفلسطينية زهيرة صباغ، درست الموسيقى والغناء في المعهد العالي للموسيقى في موسكو، وتخرجت عام 1991، بعد 6 سنوات أكاديمية درست خلالها الغناء الحديث وقيادة المجموعات الموسيقية.

منذ ذلك الحين لم تكف ريم يوماً عن المشاركة في احتفاليّات ونشاطات عالمية لنصرة حقوق الإنسان ولنصرة الحق الفلسطيني. مكنها أسلوبها الموسيقي الفريد الذي يدمج التهاليل الفلسطينية التراثية بالموسيقى العصرية من تحقيق نجاح كبير. كرست ريم صوتهاً سلاحاً في وجه العدو الإسرائيلي، غزلت من كلماتها الجزلة صوتاً ينادي بالحرية من على كل مسارح العالم. لم تترك فرصة لتبوح للعالم عن معاناة الفلسطيني تحت ظلم الاحتلال، لتحكي لهم هواجسه وأحزانه وآماله.

أغنية شعرية
يوماً عن يوم كبرت ذات ريم الموسيقية، ومالت أغنيتها للشعرية، ولحنت أشعاراً فلسطينية، لتوفيق زياد ومحمود درويش، وسميح القاسم، ووالدتها زهيرة صباغ. من هنا بدأ صوت ريم يبعث بالإيمان في قلب كل فلسطيني، ويدفع بهم للتمسك بحقهم وبإرثهم. من هنا كبرت مهمة ريم وأخذت على عاتقها حمل اسم فلسطين معها في صوتها أينما كانت.

صوت للعالم
أوصلت ريم اسم فلسطين بطريقة فنية، بحس مرهف، بشجاعة غنت مراراً في سوريا، وتونس، وبيروت، ومصر، والأردن، والمغرب وإيطاليا، والنرويج، والبرتغال، والسويد، وجمهورية التشيك، وسويسرا، ورمانيا، والدنمارك، والنرويج. غنت ريم في أماكن نعرفها ولا نعرفها، غنت وقت التعب، غنت وقت الفرح، غنت وقت الحزن، غنت رغم المرض.
  
خرج صوت ريم من محيطه الفلسطيني العربي، ليحقق صدى في العالم الغربي، في أوروبا، أصبح اسم ريم علماً، وحفلاتها معلماً، يحظرها الجميع، يشارك فيها الكثير، يتأملون في وجهها جمال فلسطين، وفي ابتسامتها الأمل رغم كل ألم.

شاركت ريم الغناء مع نجوم غربيين كبار، مثل المغني كارى بريمنس في ألبوم تهويدات من محاور الشر عام 2003، وقدمت إلى جانبه عرضاً مميزاً في أوسلو.

ثم ألبوم "رسالة موسيقية ضد الحرب إلى الرئيس الأمريكي جورج بوش من مغنيات من فلسطين والعراق وإيران والنرويج" جامعة سيدات من مختلف أنحاء العالم لغناء تهويدات من ثقافات شتى، في شكل ثنائي، وبلغات مختلفة لتدخل بكل ثقة قلوب جمهورها الغربي، ولتكون صورة كاملة عن حقيقة فلسطين المحتلة.

أسلوب فريد
غنت ريم أيضاً ألبوماً أسمته "مرايا الروح" كرسته لجميع الفلسطينيين والمعتقلين العرب السياسيين في السجون الإسرائيلية، بأسلوب مختلف عن سابقاته، وأنتجت ريم الألبوم بالتعاون مع 5 موسيقيين نرويجيين، مازجة بين أسلوب الغناء الغربي "البوب" مع الغناء الشرقي بكلمات عربية.

ورغم الاختلاف والتنوع ظل صوت ريم يغني أغانٍ يشوبها اليأس والأمل، ظلت تحكي قصة الحياة بكل حالاتها، وتنقل بصوتها رسالة المكافحين، الكادحين في عيشهم، الصابرين على الظلم الحالمين بحياة كالحياة.

أمل وألم
لم تكف ريم عن الغناء، منذ عام 1985 بدءاً من ألبوم جفرا، وحتى عام 2013 انتهاءً بألبوم تجليات الوجد والثورة. بين كل تلك السنوات كان صوت ريم مفعماً بالحياة، مليئاً بها.

كافحت ريم طيلة مسيرتها الفنية، وتجاوزت كل الصعاب، إلى أن اكتشفت إصابتها بسرطان الثدي للمرة الأولى في عام 2009، وتغلبت عليه، وشفيت منه، حتى عاد مرة أخرى ليقسو عليها في عام 2015.

حاول المرض النيل من كل جميل في ريم، وحاولت هي أن تبعده بكل ما أوتيت من قوة، حتى اشتد وأخذ منها أجمل ما ملكت، صوتها الذي توقف عن الغناء في عام 2016، بعد إصابتها بشلل في الوتر الأيسر مما أثر على عصب الصوت ومنعها من الغناء. تعطلت آلة ريم الموسيقية وبقيت كلماتها تبث الأمل رغم كل الصعاب، رغم قسوة المرض.

حياتها وإنجازاتها
تزوجت ريم بنا من الأوكراني ليونيد أليكسيانكو، وهو زميلها السابق في المعهد العالي للموسيقى. وقد عمل الزوجان معاً في تأليف الأغاني وتلحينها، ورزقا خلال زواجهما بثلاثة أطفال، بيد أن علاقتهما قد تدهورت لينتهي الأمر بانفصالهما. وبعد الطلاق، عادت ريم للعيش في الناصرة مع أولادها.

تهوى ريم كل ما هو فلسطيني، وتعشق تفاصيل التراث الدقيقة، مولعة بفن التطريز، كانت تعرض مراراً صوراً لأعمال حاكتها بيديها، وبعد أن أتقنت التطريز، أعلنت عن إقامة دورات لتعليم هذا الفن.

حصدت ريم جوائز عدة، ففي عام 1997، اختارت وزارة المرأة في تونس ريم بنا "شخصية العام"، وفازت ريم بنا بجائزة فلسطين للغناء عام 2000. كما حازت جائزة ابن رشد للتفكير الحر لعام 2013.

رحلت ريم، وبقيت في قلب كل محب، يتلو اسمها، ويذكر رسمها، يغني بصوتها، يكمل مسيرتها، رحل الجسد وبقيت ريم الروح تغني في كل حين، وتبث الأمل في قلوب اليائسين. 
T+ T T-