الأربعاء 14 نوفمبر 2018
موقع 24 الإخباري

حلقة الدم

سلاح في لبنان (أرشيف)
سلاح في لبنان (أرشيف)
في ركن من ضاحية للعاصمة اللبنانية يتجادل أشخاص وفدوا على العاصمة من جنوب لبنان وبقاعه حول المونديال. بينهم من ينتصر لألمانيا المطرودة، وبينهم من ينتصر للبرازيل الصاعدة، وينقلب الجدل الى شجار مُسلح سقط فيه جريح أعقبه قتيل.

المجتمعات هذه رغم كل شيء هي مجموعة من انقسامات ومن أجنحة متنازعة ومن فُتات اجتماعي، وهي، فضلاً عن ذلك، طوائف ومذاهب وعائلات وعشائر وأجنحة واتجاهات وتحالفات وعداوات وخصومات وتحزبات
لا يهم أن نعرف أن القتيل من جنوب لبنان والمعتدي من بقاعه إذ تجمع الكل نسبة إلى طائفة واحدة وضاحية واحدة. ليس للبنان في المونديال قليل أو كثير، ولم نعلم أن قتيلاً وقع في ألمانيا أو البرازيل في حومة المونديال، مع أن هناك من اللبنانيين من سقط انتصاراً للبرازيل ومن جرح في سبيل ألمانيا. لبنان الذي يُباهي بتوسطه بين الشرق والغرب كما يباهي أنه سويسرا الشرق، وبالطبع لم يحل ذلك دون أن تتوالى فيه الحروب الأهلية.

 وقيل في ذلك أن الحرب الأهلية هي عاقبة المقاومة لكن بعد حادثة الضحايا نجسر على القول إن الحرب هي نتيجة أي نزاع مهما يكن أمر هذا النزاع، إذ يتحول في مجتمعاتنا أي خلاف الى عصبية، وينقلب أي خلاف الى نعرة. وليس بعد ذلك سوى الحرب والنزاع المسلح.

لا نلحق كل البلدان العربية بلبنان، لكن ما حدث منذ أكثر من عقد من السنين يوحي بأن عدداً كبيراً من البلدان العربية، بما فيها بلاد يسودها نظام وأمان وقانون، قابلة لأن تتشقق ولأن يتصارع شمالها وجنوبها، وشرقها مع غربها، وتتصارع فرقها ومناطقها وأعراقها وبطونها.

أي أن هذه البلدان تحمل في باطنها جرثومة الحرب الأهلية واستعداد الحرب الأهلية. كما أنها تحمل قابلية التشقق والتصدع، حتى حين يبدو الأمر غير ذلك، وحتى حين لا ينذر بخطر أو صراع أهلي.

ذلك أن المجتمعات، هذه وغيرها، ليست متلاحمة ولا متماسكة ولا متدامجة ولا مصبوبة في قالب واحد.

حتى حين يوحي الظاهر بذلك، وحتى حين لا ينذر بعكسه، وحتى حين يبدو، لأمر ما وربما لأمور كثيرة، الواقع مستقراً والأمان مسيطراً والقانون سائداً.

المجتمعات هذه رغم كل شيء هي مجموعة من انقسامات ومن أجنحة متنازعة ومن فُتات اجتماعي، وهي، فضلاً عن ذلك، طوائف ومذاهب وعائلات وعشائر وأجنحة واتجاهات وتحالفات وعداوات وخصومات وتحزبات، أي أن اللحمة البادية عليها قد تكون ظاهرية، والمُسكة التي تجمعها قد تكون هشة وقد تكون تحمل في عصبها وفي عروقها الفسوخ والشقوق، وقد تكون متناحرة ولو في صمت، متصارعة ولو خفية، وقد تكون تتهافت وتتداعى ولو بدون علن.

ماذا يعني مجتمع مسلح؟ وإن كان في الظاهر متوائماً متماساً. ماذا يعني أن يلعب الأفراد بالسلاح وأن يكون السلاح مباحاً ومتاحاً وظاهراً لكل عين. ماذا يعني أن يكون الأمر كذلك في مجتمعات تعيش على الشقاق والنزاع، وتملك إرثاً كبيراً من المماحكات الدموية والصراع العنيف. ألا يعني ذلك أن السلاح سيكون وحده الناطق، ووحده الحاسم، ووحده المقرر. ثم ألا يعني ذلك أن أي شيء عادي قد ينقلب الى عداوة طاحنة، وقد يغدو نهر دم.

بكلمة أخرى فإن ذلك نذير بأن الحرب، الحرب الأهلية، هي دائماً على الأبواب. من هنا نفهم كيف أن كل عقد من السنين أو عقدين يحملان معهما حربهما الخاصة، كذلك نفهم أن التاريخ اللبناني سلسلة من الصراعات الدموية. السلاح حتى حين يكون تقليداً وعرفاً حاضراً كل لحظة لابتعاث عداوة تاريخية، ولتأريث عداوة تاريخية، ولاجتراح عداوة تاريخية.

حين يكون الخلاف على المونديال، على مسألة لا تتصل بنا من قريب أو بعيد، حين يكفي ذلك للوصول الى القتل والجريمة، فهذا يعني أننا في مجتمع لا حدود لاحتمالاته، مجتمع لا يربطه نظام ولا قانون.

وبكلمة واحدة مجتمع الدولة فيه متهاوية أو منهارة، الدولة فيه لا تشكل وازعاً لأحد، كما لا تشكل مانعاً حقيقياً. وبالطبع لا يمكن، مع ذلك، تشكيل مجتمع كما لا يمكن بناء دولة، والكلام، بعد ذلك أو أثناءه، عن تعايش ونظام أو قانون، لا يرتكز إلى شيء كما لا يصح الا إنذاراً بالحرب والصراع.
T+ T T-