الأربعاء 26 سبتمبر 2018

الوهم الاقتصادي التركي يفيق على انهيار الليرة

الليرة التركية (أرشيف)
الليرة التركية (أرشيف)
الوهم الاقتصادي الذي عاشته تركيا في السنوات الماضية بدأ بالتلاشي سريعاً، كاشفاً عن فشل حزب العدالة والتنمية الذي يزعمه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في إدارة أزمات البلاد، مع سعيه وتركيزه على حملاته الدعائية لبقائه في السلطة ودعم تفرده بالقرار.

ولا تبشر الانهيارات المتواصلة التي تعاني منها الليرة التركية، منذ بداية العام الحالي، بخروج قريب من المأزق، بل على العكس من ذلك، فهي تنذر بدخول تركيا إلى نفق أزمة نقدية من العيار الثقيل لم تشهدها منذ سنوات، وسط قلق متنام بشأن قبضة أردوغان على السياسة النقدية، وتوقعات بارتفاع كبير للدين الوطني التركي من جراء طريقة الحكومة في معالجة الأزمة.

وفيما خسرت العملة التركية حوالي 30 % من قيمتها مقابل الدولار الأمريكي هذا العام، مع انخفاض حجم التداول إلى 40 % إذا جرى قياسه على الدولار، تبدو مناشدات أردوغان المتكررة للأتراك، بتحويل العملات الأجنبية إلى العملة المحلية، غير مجدية وعديمة الفائدة.

ويرى المستثمرون في تركيا، الذين كانوا يأملون في حديث من أردوغان يلملم جراحهم جراء السقوط الحر لليرة التركية، وإعلانه خطوات تبث الطمأنينة في نفوسهم، الذي بدلاً من ذلك قال إن بلاده "ستنتصر في الحرب الاقتصادية"، أن الانتصارات الاقتصادية لا تكون عبر الخطابات السياسية وحدها.



خطاب أردوغان
وقال أردوغان، أمس السبت، إن اقتصاد بلاده "لا يعاني من أزمة ولا يقف على شفا الإفلاس"، معتبراً أن الأزمة التي تعاني منها الليرة التركية ناتجة عن "صواريخ" حرب اقتصادية تتعرض لها تركيا، واصفاً معدلات الفائدة بأنها "أداة استغلال"، وطالب بخفضها إلى أدنى مستوى.

ومن جهته، اعتبر المحلل الاقتصادي أولرك ليختمان، ببنك كوميرز في فرانكفورت، معلقاً على انهيار الليرة التركية في وقت سابق، أن "الحكومة بالطبع ترفض الاعتراف بالحقيقة في هذه المرحلة من الأزمة"، مؤكداً أن "الرفض هو جزء من التطور المعتاد لأزمات من هذا النوع".

وفي حين دعا أردوغان الأتراك إلى التخلي عن الدولارات وشراء الليرة في المقابل من أجل دعم العملة المحلية المنهارة، والمساهمة في إنقاذ البلاد من أزمة اقتصادية وشيكة.

إلا أن دعوته تلك، والتي جاءت في يوم تعرضت فيه الليرة التركية لأكبر كارثة، شهدت رد فعل عكسي، فيما أشارت وكالة "بلومبرغ" الاقتصادية إلى زيادة كبيرة في طلبات سحب أموال بالدولار الأمريكي من المصارف التركية، بعد أن فقدت العملة في يوم الجمعة الماضي فقط، 20 % من قيمتها، أي ما يعني خسارة المدخرين بالعملة المحلية خُمس قيمة مدخراتهم.

وبحسب مصادر محلية، لم يتمكن العملاء في اثنين من البنوك، من الحصول على العملات الأجنبية حيث انتظرت الفروع موافقة المقر الرئيسي، و"لم يستطع أحد البنوك تلبية طلب بسحب 5 آلاف دولار"، ما يشير إلى أزمة حقيقية في السيولة.

ونقلت "بلومبرغ" عن متعاملين أن هناك زيادة كبيرة في طلبات سحب العملات الأجنبية في جميع الفروع، فيما أكد مصرفيون كذلك، زيادة الطلب على العملات الأجنبية، مشيرين إلى مخاوف الجمهور من إمكانية تنفيذ إجراءات مثل فرض ضوابط على رأس المال في محاولة لتجنب الأزمة.



العجز والدين الخارجي
وتعاني تركيا، إضافة إلى الخسائر الأخيرة في قيمة الليرة، من عجز في ميزان تجارتها الخارجية، حيث أن وارداتها أكثر من صادراتها، ما يعني أنها تنفق أكثر مما تكسب. والعجز يجب أن يُمول إما من استثمارات أجنبية أو بالاستدانة. ولا يعتبر هذا بحد ذاته غريباً أو خطيراً، لكن العجز لدى تركيا أصبح كبيراً جداً بعد أن بلغ 5.5% من الدخل القومي أو من إجمالي الناتج المحلي العام الماضي.

كما أن وجهين للدين الخارجي ساهما في ضعف اقتصاد تركيا، الأول أن لديها مستوىً عالياً من الديون مستحقة الدفع في القريب العاجل بالإضافة إلى الديون الجديدة، ما يخلق حاجة إلى إعادة تمويل الدين.

والوجه الثاني يتمثل في استدانة الكثير من الشركات التركية بالصرف الأجنبي، وتُعد هذه القروض أكثر تكلفة عند إعادتها في حال انخفضت قيمة العملة المحلية وهو ما حدث بالفعل، فيما تقدر وكالة تقييم الاستثمار "فيتش"، أن الحاجة المالية الكلية لتركيا هذا العام، ستبلغ ما يقارب 230 مليار دولار.

وزاد ضعف العملة من مشاكل التضخم المُلحّة في تركيا، فكلما ضعفت قيمة الليرة زادت تكلفة الواردات.

وكان المصرف المركزي يهدف إلى الحدّ من التضخم لنسبة 5% العام الماضي، لكن التضخم كان أكثر من ذلك بكثير وبلغ حوالي 10%. ومنذ ذلك الوقت تراجع الوضع خاصة مع غلاء الأسعار التي زادت بمعدل سنوي يبلغ قرابة 15%.

وتسبب أردوغان في قلق كبير لدى مستثمري السوق المالي، جراء آرائه حول السياسة الاقتصادية، إضافة إلى الضغط الذي يمارسه على المصرف المركزي لبلاده، والذي يحول دون رفع المصرف المركزي لمعدلات الفائدة، الذي من شأنه أن يحدّ من التضخم بطريقتين، إما بإضعاف الطلب في البلاد، أو من خلال رفع العوائد المالية في تركيا والتي ستشجع المستثمرين للشراء بالليرة، مما يقوي العملة ويخفض تكلفة الاستيراد.

وأدى ذلك إلى أن المستثمرين غير مقتنعين بقدرة المصرف المركزي على تحقيق استقرار للعملة والسيطرة على التضخم، ما يزيد من قلقهم حول ما ستؤول إليه الأصول المالية التركية.

يذكر أنه في يناير (كانون الثاني) 2014، رفع المركزي التركي أسعار الفائدة في اجتماع طارئ عند منتصف الليل، في محاولة لوقف موجة مبيعات كبيرة في الليرة، دون جدوى، ومنذ ذلك الحين خسرت الليرة أكثر من نصف قيمتها أمام الدولار.

العلاقات مع أمريكا
وألقى تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وتركيا في الآونة الأخيرة بظلاله على أزمة الليرة التركية، ما زاد في انهيار قيمتها، التي تعاني أصلاً من تدهور وصل إلى أدنى مستوياته منذ عام 2001.

وزاد التوتر في العلاقات فجأة الأسبوع الماضي، إثر قضية القس الأمريكي أندرو برانسون المحتجز في تركيا، والذي وضع في الإقامة الجبرية بعد اعتقاله عاماً ونصف العام لاتهامه بـ"الإرهاب والتجسس".

وكانت واشنطن فرضت قبل ذلك، عقوبات على وزيرين تركيين، تزامناً من استمرار مطالبة الإدارة الأمريكية بالإفراج عن القس الأمريكي.

وقال أردوغان إنه "من المؤسف أن تدير الولايات المتحدة ظهرها لنا، وتخاطر ببلد شريك لها في حلف الناتو من أجل قس"، فيما يختلف البلدان على عدة قضايا أخرى، من بينها الملف السوري وطموح تركيا لشراء أنظمة الدفاع الروسي.

وجاء إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الجمعة الماضية، عن مضاعفة الرسوم الجمركية على صادرات تركيا لبلاده من الفولاذ والألمنيوم، ليزيد متاعب الليرة ويعمق خسارتها لتصل إلى 6.61 مقابل الدولار.

وكانت الليرة التركية فقدت نحو ربع قيمتها مقابل الدولار خلال الشهر الماضي فقط.



تحول النمو إلى انهيار
انخدع الكثيرون بما شهده الاقتصاد التركي من أداء جيد في السنوات الأخيرة، والذي حافظ على نموه بشكل سنوي، باستثناء عام 2009 الذي لحق الكساد الاقتصاد العالمي، وبعد الأزمة الاقتصادية الأخيرة في تركيا عام 2001 عندما تلقت معونة من صندوق النقد الدولي.

يشار إلى أن الاختلاف الوحيد الهام بين الأزمة الاقتصادية الحالية في تركيا بالمقارنة مع الأزمة التي شهدتها في بداية القرن، أنه الآن لا يوجد مُحدّد لقيمة العملة، ما سمح بكل بساطة لليرة بالتراجع بشكل كبير.

وعلقت وكالة معدلات الاستثمار "مووديز"، على الأزمة الجديدة التي تتعرض لها تركيا، قائلة إن النمو الاقتصادي التركي في السنوات الماضية، ارتفع إلى مستويات غير مستدامة من خلال الإنفاق وسياسات الضرائب. أما السياسات طويلة الأمد، والتي من شأنها بناء اقتصاد حقيقي، فقد تم تنحيتها بسبب التركيز على الدورات الانتخابية.

وحذرت وكالة "فيتش" من المخاطرة بانحدار اقتصادي كبير يؤدي إلى تباطؤ حاد أو حتى حالة كساد، لم تشهدها تركيا من قبل.

وكانت كالات التصنيف الائتماني العالمية مثل "ستاندرز" و"مووديز" حذرت خلال الأشهر الماضية، من تباطؤ الاقتصاد التركي وتعرضه لأزمة حقيقية، إلا أن الحكومة التركية لم تأبه لذلك.

وجاء فوز أردوغان في الانتخابات الأخيرة بمثابة الضربة القاسمة للاقتصاد التركي، حيث أن المستثمرين والشركات كانوا متخوفون من استمرار أردوغان في الحكم بسبب وعوده بشأن سياساته النقدية، التي يصفها محللون بالمغلوطة والمفتقرة للخبرة والدراية.

ويستمر الرئيس التركي في انفراده بالقرار والتدخل في الاقتصاد وفرض رؤيته وإصراره على التلاعب بأسعار الفائدة على عكس قواعد الاقتصاد المعتادة، دافعاً باقتصاد بلادة وبالليرة التركية إلى حافة الهاوية.
T+ T T-