كتاب موسوعة" الموسيقا العربية" ومؤلفه الكاتب العراقي عادل الهاشمي.
كتاب موسوعة" الموسيقا العربية" ومؤلفه الكاتب العراقي عادل الهاشمي.
الأربعاء 29 أغسطس 2018 / 21:01

موسوعة" الموسيقا العربية".. وثيقة 100 عام من التحالف والحنين

24 - الشيماء خالد

أَثْرت" دائرة الثقافة والسياحة ـ أبوظبي"، في نهاية العام الماضي 2017 المكتبة العربية بأضخم موسوعة في" الموسيقا العربية"، تتعلق بتاريخ التأليف في هذا المجال، وتمَّ فيها رصد مئات الأسماء، التَّي مَثَّلت أقطاباً وأعلاماً ونجوماً في الحركة الموسيقية والغنائية العربية خلال مئة عام، كما كشفت عن المخزون الوجداني، ومدى تأثره بمختلف المدارس في ذلك العصر، وقد بَدَت" الموسوعة" حال ظهورها حدثا ثقافيا بالنسبة للمتخصصين، ولكثير من عناصر النخبة العربية.

غير أن الموسوعة على أهميتها لم تَنِلْ حظاًّ وفيراً من المتابعة الإعلامية ، إذا استثنينا الجانب الخَبَري أو بعض المقالات المقتضبة في الصحف العربية، أو عرض تحليلي مفصل قدمه رئيس قطاع المشروعات المركزية والخدمات بمكتبة الإسكندرية، خالد عزب في جريدة الرأي، رغم أن الموسوعة تقدم اشباعاً معرفياًّ للقارئ العربي، وتسد نقصاً في المكتبات، وتلغي حواجز اللحود الجغرافية بين الأقطار العربية، وتكشف عن تحرك الوعي في فضاءات عربية واسعة، فهي لكاتب عراقي، وصادرة من مؤسسة ثقافية إماراتية فاعلة، وموجهة لأبناء العرب جميعهم، وذلك في إطار مشروع ثقافي نهضوي تسعى إليه أبوظبي ضمن رؤيتها الثقافية من جهة، وتطبيقها لخطتها الاستراتيجية كفوة ناعمة من جهة ثانية، تُسْهِمُ في تكريس وجودها حاضرة ثقافية تتحملّ عبء تراجع حواضر عربية أَلْهِتْها مشكلاتها الراهنة.

رحلة الولادات الجديدة
والكتاب (الموسيقا العربية )عبارة عن إطلالة على ملامح عديدة من مسار الأغنية العربية في القرن العشرين( 1900 ـ 2000)، وهذه الإطلالة، كما يقول الكاتب العراقي عادل الهاشمي(مؤلف الكتاب، الراحل في 2011):" وثيقة التحالف والحنين للتاريخ الفني، تُفضي بالقاريْ والباحث إلى رحلة التحقق من الولادات الجديدة والإضافات الحديثة والمذاهب الفنية والوظائف الجوهرية، التي استنبطها واقع الموسيقا العربية والغناء العربي".

في هذا الكاتب يُعمِّق المؤلف عادل الهاشمي وَعْيَنا الحضاري على المستوى القومي، ويًنشَّط الذاكرة المُتخصّصة، الفردية والجماعية، ويُعيد التذكير بأسماء طواها النسيان، وأخرى سادت ثم بادت، وأخرى انتهت ـ فنياًّ ـ في عصرها قبل تّمكّنها من مواصلة الطريق لأسباب ودوافع خاصة، وذلك عبر عدد من الأبواب، هي: باب" الأفكار" ويشمل الثوابت والمتغيرات، وباب "الأصوات"، الذي يحتوي على الأقطاب، والأعلام، والأسماء اللاَّمعة، وباب" الأنغام"، الذي يُركز على الوضعية البنائية للموسيقى العربية، مُرْفقاً ذلك ببعض الصُّور الدَّالة، والمُجَسِّدة لأشخاص مُبْدعين في مجالهم، ولعلاقات أثمرت في كثير من الأحيان أصواتاً لا تزال إلى اليوم تهزُّ مشاعرنا، وتؤثِّرُ في وجداننا.

ملكة القرن العشرين
ويَنْتهي المؤلف في كتابه ــ البالغ 529 صفحة من الحجم الكبير ـ إلى أن قوالب الموسيقا العربية هي ملكة القرن العشرين، لأنها أذعنت لقرائح المبدعين واقطاب الملحنين، منهم على سبيل المثال: سيد درويش، محمد عبد الوهاب، محمد القصبجي، زكريا أحمد، رياض السنباطي، فريد الأطرش، وبليغ حمدي، كمال الطويل، محمد الموجي، محمود الشريف، أحمد صدقي، حليم الرومي، فريد غصن، منير مراد، سيّد مكاوي، طالب القرة غالي، رضا علي، الأخوان رحباني، فيلمون وهبه.. وغيرهم.

وجاءت تلك الألحان عبر أصوات أسطورية، منها: أم كلثوم، أسمهان، فتيحة أحمد، منيرة المهدية، نجاة علي، ملك، نادرة، ليلى مراد، فايزة أحمد، عبد الحليم حافظ، ماري جبران، صباح فخري، ناظم الغزالي، وديع الصافي، وردة، محمد قنديل، مائدة نزهت، حضيري أبوعزيز، وفيروز .. إلخ.

ذلك بعض مما جاء في هذا المرجع المُوسَيقي الذي يبدو أنه سيًعمَّر بكل تأكيد لقرون آتية ، ولن يُغْنِي أيّ عرض مهما كانت شموليته ودقته عن العودة إليه، وما تمّ عرضه هنا هو اختصار للقضايا الكبرى المطروحة من طرف المؤلف، بما يفرضه حيز الكتابة هنا، وطريقة الصحافة في العرض، والتزامات القارئ العارض للكتاب.

أبوظبي.. وصناعة التّنوير
بَقِيَ، أن نشير إلى أمرين، الأول: أنه سبق للمؤلف أن عرض في بداية كتابه رؤى وأفكار وتصورات وأنغام للموسيقا العربية في القرون الماضية، أسّس عليها رؤيته، مُسْتنداً في ذلك إلى مراجع قديمة، وأخرى حديثة، كشفت عن سعة اطلاعه وعمق.

والأمر الثاني: التأكيد على أن إصدار هذا الكتاب من دائرة الثقافة والسياحة ـ أبوظبي، يأتي ضمن مشروعها الثقافي الكبير، المُواكب للنَّهضة الفكرية والعقلانيَّة، والهادف إلى صناعة تاريخ تنويري في الوطن العربي كله، يحقق للإمارات دورها، ويُعمَّق من قوَّتِها النَّاعمة، ويجعل من أبوظبي حاضرة ثقافية تُسْنِد وتُؤَاز وتدفع بالأمة العربية نحو أفق أرحب، يُسْهِم في تطوير حاضرها، ويُؤسّس ويَحفظ ويًذكِّر بتاريخنا في جميع المجالات.