السبت 17 نوفمبر 2018
موقع 24 الإخباري

الوحدة والانفصال

تظاهرة عند جدار برلين قبل سقوطه في 1989 (أرشيف)
تظاهرة عند جدار برلين قبل سقوطه في 1989 (أرشيف)


لم نفهم السرعة التي انفكت بها الوحدة المصرية ــ السورية والوحدة العراقية ــ الأردنية التي قامت قبالتها. لقد كان هذا بالطبع عصياً على فهمنا وعلى خيالنا
كانت العروبة في بدايتها تواجه الخلافة التي أطاح بها في النهاية أتاتورك، ومن حينه بدا أن العروبة خرجت عن الإسلام، لكن هذا بقي نظرياً إذ لم يطل الوقت حتى بدأت العروبة تُطابق الإسلام، رغم أن إسلاميين كثراً رفضوا هذه المطابقة. المهم أن المخيال العروبي السائد ظل يحلم بأمة واحدة، على افتراض أن الأمر كان دائماً هكذا، وعلى افتراض أن الأمة العربية حقيقة أكيدة وأنها كانت واحدةً موحدةً ذات زمن.

من هنا صارت الوحدة موضع هوس وشغف بالغين لدى مثقفي تلك الأيام. لم تعد الوحدة العربية وحدها محل هذا الشغف بل كل وحدة. هكذا نظرنا إلى الوحدة الإيطالية والوحدة الألمانية كمثالين رائدين، هكذا نظرنا إلى التاريخ الأمريكي، الذي انتهى الى التوحيد بعين متعاطفة، ونظرنا بالعين نفسها إلى محاولات التوحيد الخاسرة والرابحة في أميركا اللاتينية.

وبالتأكيد لم ترق لنا دولة شان كاي شيك الصينية، ولا القطاع التركي في قبرص. الوحدة صارت بالنسبة لنا إيجابية ومرغوبة، أياً كان المكان، وأياً كان الظرف.

لم نفهم السرعة التي انفكت بها الوحدة المصرية السورية، والوحدة العراقية  الأردنية التي قامت قبالتها.

كان هذا بالطبع عصياً على فهمنا وعلى خيالنا.

 لم نجد تعويضاً كافياً في الفيدرالية الإماراتية، ولم ننتبه إلى انفصال زنجيبار عن عُمان.

لقد أعقب الشغف الوحدوي ركود في الحلم وفي المخيلة. بالتأكيد لم يرق لنا الإنفصال التشيكسلوفاكي أو اليوغسلافي. لا بد أن هذا ذكرنا بعارنا التاريخي الذي تجلى في الانفصال المصري السوري، وبالطبع مات الحلم الوحدوي أو أضحى سراباً، عندما انفجرت أوضاع أقطار عربية واجتاحتها حروب أهلية كان أساسها في الغالب مذهبياً وعرقياً كما يحدث اليوم.

كان الجيل الوحدوي العروبي عندها قد تقاعد أو اختفى، الأجيال التي تلت لن يداعبها حلم كالحلم الوحدوي. لقد ارتد عروبيو الجيل السابق أحياناً إلى مذاهبهم وأحياناً إلى مناطقهم. لم يمانع الجيل الجديد في خوض حروب أهلية ومناطقية وقبائلية.

كانت العروبة التي بدت في يوم ملء العين وفي وضح النهار قد صارت فعلاً من ماضٍ لم نعشه ولم نختبره، لكننا فقط حلمنا به، وتخيلناه إلى الحد الذي صدقناه فيه وتأكدنا منه وعايناه.

كانت العروبة على هذا النحو، رغم قرب العهد بها، قد صارت ماضياً أو من الماضي، من ترهات جيل صار ما تبقى منه أجداداً وعجائز ونسوا هم أنفسهم تلك الدعاوى التي سادت شبابهم وملأت أحلامهم.

بالتأكيد لم يصدق أحد من هؤلاء عقب الوحدة الألمانية، أو إعادة توحيد الألمانيتين أديبة ألمانيا الشرقية الكبيرة كريستا فولف "وهي ترثي" ألمانيا الشرقية التي اختفت عن الخارطة: "أحببت هذا البلد للغاية، كنت أعرف أنه يعاني سكرات الموت لأنه كان يلفظ أفضل مواطنيه، ولأن ضحاياه كانوا كثراً".

لكن ما أثار العجب في ألمانيا وفي غيرها، وبالتأكيد لم يدر ببال أيّ من المثقفين العرب أن يحدث مثله. ما أثار استهجان هؤلاء وعصي على فهمهم ما قاله أكبر أديب ألماني معاصر غونتر غراس، ضد الوحدة المتجددة بين الألمانيتين "العملاق ألمانيا الغربية، يريد أن يصير وحشاً".

 ليس غونتر غراس الشاعر والروائي شيوعياً، إنه إشتراكي عاش في ألمانيا الغربية، وبالتأكيد لم يكن محابياً لألمانيا الشرقية، كان يكره بالتأكيد الاستبداد الشيوعي فيها، ويرى الهاربين على الحواجز والذين يفقدون حياتهم في قفزاتهم إلى ألمانيا الغربية، لكن غراس كان يتعلم من التاريخ الألماني أن في ألمانيا دائماً وحشاً تاريخياً يتحفز للظهور.

رغم الاستبداد الشيوعي كان هذا الوحش في ألمانيا الغربية.

عام 2002 قضيت أشهراً في برلين في برنامج يضم كاتبين أحدهما ألماني، يتبادلان الإقامة مدداً قصيرة في بلد أحدهما. كان زميلي في هذا البرنامج الروائي ميشائيل كليبرغ الذي زار بيروت وكتب كتاباً كاملاً عنها بعنوان "الحيوان الذي يضحك".

وجمعني ميشائيل بروائيين من ألمانيا الشرقية كانوا يحتجون ويعتبرون أدبهم أدب قضايا فيما أدب الغربيين ليس سوى عبث.
T+ T T-