السبت 17 نوفمبر 2018
موقع 24 الإخباري

"تقرير إلى غريكو" ... "رواية الأسلاف"

الكاتب اليوناني الراحل نيكوس كازانتزاكي (أرشيف)
الكاتب اليوناني الراحل نيكوس كازانتزاكي (أرشيف)


روايات كازانتزاكي كانت تحمل هذا العمق الفلسفيّ من كون كاتبها كان فيلسوفًا أيضًا ومشغولاً بالكون وتأمله باحثًا عن طريق للخلاص بدأه بالمسيح وواصله مع بوذا والآخرين
قبل وفاته بسنوات قليلة وبينما كان يصارع المرض القاتل الذي افترس جسده بشراسة كان نيكوس كازانتزاكي الروائي اليوناني يُريد أن يتسول الزمن من محيطيه...يُريدهم أن يقرضوه ربع ساعة من كل واحد منهم فقط، ليُنهي أعماله المتبقية! وفي قائمة اللائحة كان هناك"تقرير إلى غريكو"، إلى جانب اشتغاله المكثف على ترجمة الأوديسا، إلى الإنجليزية وأعمال أخرى كانت لاتزال تنتظر! لقد أبدع كازانتزاكي رائعته الشهيرة رواية "زوربا اليوناني" التي حُولت في ستينيات القرن الماضي إلى فيلم هوليوودي من بطولة الممثل الإيطالي العالمي أنتوني كوين.

لقد كانت جزيرة كريت حاضرةً في هذه الرواية التي أراد كازانتزاكي منها الوصول إلى أمثولة وجودية عميقة جداً، فقد كتبها في عصر كان فيه المجتمع اليوناني لايزال مشدودًا إلى سيطرة الكنيسة الأرثوذكسية المحافظة، في الوقت الذي بدأت فيه أطوار الحداثة والتحديث في بنية المجتمع التقليدية.

وهناك أمثولة كونية عميقة تحدث عنها زوربا في الرواية، وهي أن المجتمع البشري فقد براءته حين فقد طفولته البشرية وأضاعها، فاختفت نظرة الطفل الفضولية التي تحدق صبيحة كل يوم في الكون، وكأنها تراه للمرة الأولى! كان زوربا يريد بطريقته الخاصة إعادة البشرية إلى طور طفولتها الفضولية! كان لايزال محتفظاً بشغفٍ منحه الحياة ومتعة الاكتشاف طوال حياته!

رغم إصرار كازانتزاكي على أن ما كتبه في "تقرير إلى غريكو" ليس سيرته الذاتية إلا أنه في هذا العمل السردي المهم جداً الذي كتبه في أواخر عمره كان بالفعل يكتب بطريقته الخاصة سيرته الذاتية التي هي مزيج متشابك من سرود متقاطعة.

كتب كازانتزكي هذه السيرة على صورة تقرير عن حياته يقدمه إلى جده غريكو، الرسام المشهور ذي الأصول اليونانية الذي عاش في كريت قبل حوالي ثلاثة قرون! ويمضي التقرير في حواريته العميقة لجده عبر حياة كازانتزاكي الشخصية ومساراته المختلفة.

وإذا جاز لكلّ واحد منا أن يختزل حياته في كلمة مفتاحية واحدة تختزل مساراته جميعها فإن الكلمة المفتاحية التي اختارها كازانتزاكي لحياته هي مفردة "الصعود". يقول كازانتزاكي :"كانت هناك أربع درجات حاسمة في صعودي، وتحمل كل منها اسماً مقدساً: المسيح، بوذا، لينين، أوليس. ورحلتي الدامية بين كل هذه الأرواح العظيمة، والأرواح الأخرى هي ما سأحاول جاهداً أن أبين معالمه في هذه "اليوميات"، بعد أن أوشكت الشمس على المغيب.

إنها رحلة إنسان يحمل قلبه في فمه وهو يصعد جبل مصيره الوعر والقاسي. فروحي كلها صرخة. وأعمالي كلها تعقيب على هذه الصرخة".

إن روايات كازانتزاكي كانت تحمل هذا العمق الفلسفي لأن كاتبها كان فيلسوفاً أيضاً ومشغولاً بالكون وتأمله باحثاً عن طريق للخلاص بدأه بالمسيح وواصله مع بوذا والآخرين، ويكفي أن نعرف أن روايته الأخيرة "الإغواء الأخير للمسيح" أثارت جدلاً دينياً واسعاً إلى الدرجة التي جعلت بابا الفاتيكان يدرج هذه الرواية ضمن لائحة الكتب الممنوعة في الفاتيكان، وإلى الدرجة التي جعلت الكنيسة الكاثوليكية الرومانية تمنع الكتاب أول صدوره عام 1954.

يقول كازانتزاكي مخاطباً جده الأكبر "غريكو" في هذه الرواية: "في داخل كلّ رجل متكامل، في سويداء قلبه، مركز غامض يدور حوله كل شيء آخر. وهذا الدوران الغامض يوحد بين أفكاره وأفعاله. ويساعده على العثور على الانسجام الكوني أو اختراعه. هذا المركز بالنسبة إلى بعضهم هو الحب، وإلى آخرين هو اللطف أو الجمال. وإلى غيرهم التعطش للمعرفة أو التوق للذهب وللسلطة، إنهم يفحصون القيمة النسبية لكل شيء آخر، ويلحقونها بهذه العواطف المركزية. ويا لتعاسة الإنسان الذي لايحس بنفسه محكومًا في داخله من قبل سلطان مطلق. فحياته غير المحكومة والمشوّشة تبعثرها الرياح الأربع".

لقد أثرت هذه السيرة الذاتية الفكرية في عدد من الأعمال السردية عالمياً، وعربياً تأثر بهذه السيرة الروائي الجزائري واسيني الأعرج في عمله "سيرة المنتهى عشتها كما اشتهتني" في حواريته السردية الصوفية مع جده الموريسكي الروخو الذي عاش قبل حوالي أربعة قرون، وقد أحال واسيني الأعرج إلى عمل كازانتزكي جنباً إلى جنب "حديث الإسراء" و" الإسراء إلى المقام الأسرى أو كتاب المعراج" لابن عربي، وذلك في عتباته النصية الأولى.
T+ T T-