الأربعاء 14 نوفمبر 2018
موقع 24 الإخباري

"الجنة".. قبل وصولهم

وزير الصحة غشان حاصباني مطلقاً حملة الكشف المبكر عن سرطان الثدي التي استثنيت منها اللاجئات الفلسطينيات.(أرشيف)
وزير الصحة غشان حاصباني مطلقاً حملة الكشف المبكر عن سرطان الثدي التي استثنيت منها اللاجئات الفلسطينيات.(أرشيف)


ذلك يكشف جانباً من المأساة التي يعيشها الفلسطينيون في مخيمات لبنان والتي يحيطها التجاهل "الخالد" لحقوقهم البسيطة، ولا يتوقف عند حرمانهم من "حملات الوزارة الصحية"
تمتلك الدولة اللبنانية فساداً من نوع خاص، يتمتع بالمغفرة والتسامح وبنية تحتية تكاد تكون مثالية، والكثير من البلاغة اللغوية التي تتحول إلى سياسة.

طاقة غريبة يمتلكها بعض السياسيين في لبنان، طاقة من التجاهل التام، والانتقائية التي تغذيها أوهام طائفية في جوهرها، ولكنها تتحول إلى "سمات وطنية" خارج حدود البلد، كأن يحتج وفد سياسي على مستوى النظافة والخدمات في فنادق العاصمة الموريتانية خلال أحد مؤتمرات القمة العربية، بينما عاصمة بلاده تغرق تحت طبقات من القمامة، وثمة شعار شعبي مرفوع شيعه في طريقه للمطار عبر شوارع العاصمة: "طلعت ريحتكن".

أو إنتاج عبارات مثل "سياسة النأي بالنفس"، التي طرحت بقوة عشية اندلاع الاحتجاجات ضد النظام في سوريا، التي تحولت إلى مقتلة كبرى. طبعاً لا أحد في لبنان يصدق ذلك، ولكن الجميع يطوف حول العبارة، دون ملل، بمن فيهم أولئك الذين عبروا الحدود بأسلحتهم، وذرعوا سوريا المحطمة وساهموا بقوة في تهجير أهلها، في عملية جمعت ببراعة بين الغزو الحماية والتحرير!.

بنفس البراعة التي حولت "الغزو" إلى "حماية" و"الاحتلال" إلى "تحرير" وجعلت من كل ذلك "ممانعة"، يجري تدوير العبارة، ويتم توجيهها نحو آلاف السوريات والسوريين الذين عبروا الحدود للنجاة بأولادهم وأنفسهم، في عملية "نأي" حقيقية عن المقتلة في بلادهم، في الأقل هذا ينطبق على معظمهم.

عندما يصل الأمر إلى البوابات والأسيجة التي أقيمت حول مخيمات اللاجئين، يذهب الحديث نحو "الجنة" التي كانت هنا قبل وصولهم.

وهو ما يجري منذ سبعة عقود مع اللاجئين الفلسطينيين الذين ساقهم حظهم العاثر لهذه "الجنة" عام 1948.

هذا، بالضبط، ما اصطدمت به اللاجئة الفلسطينية "عائشة" عندما ذهبت الى مستوصف حكومي لبناني لتجري فحص سرطان الثدي في سياق الحملة التي أعلنت عنها وزارة الصحة في لبنان. العاملون في المستوصف أبلغوها بوضوح شديد أن الحملة لا تشمل النساء الفلسطينيات، وهي محصورة بحاملات الجنسية اللبنانية.

"عائشة" ولدت في لبنان، تزوجت وأنجبت وستبلغ الخمسين خلال شهور.

مستشار وزير الصحة وضح الأمر لوسائل الاعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، حيث أكد المستشار الحقيقة التي تبلغت بها "عائشة" من المشرفين على المستوصف، ولكنها حصلت في تصريح المستشار على صفة "مقيمة" وليس لاجئة كما جرت العادة، كما لو أنها، "عائشة"، وصلت للبلد بقصد العمل قبل أن تعود إلى بلادها.

سيواصل المستشار توضيحه في الفقرة الثانية من تصريحه، فيما يشبه خلاصاً ديبلوماسياً، عندما يعتبر أن "قضية اللاجئين هي قضية دولية وليست مسؤولية لبنانية"، حيث تعود "عائشة" في هذه الفقرة لتصبح لاجئة يقع "فحصها" على عاتق العالم وليس على حساب اللبنانين من دافعي الضرائب!.

وهو ما أكده الوزير أيضاً "غسان حاصباني" لأحد النواب، "يمكن للفلسطينيات التوجه الى المستوصفات الخاصة"، فحص كشف سرطان الثدي "للبنانيات فقط".

الخدمات الطبية للاجئين الفلسطينيين تقدمها عادة "الأنروا"، وهي خدمات لا تستثني الفقراء اللبنانيين الذين يعيشون في محيط المخيمات، وقد كانت، حسب ناطق باسمها، تقوم بمثل هذه الحملات ولكن بشكل غير منتظم بسبب ضعف التمويل.

صحيح أن مواقع التواصل الاجتماعي قد حملت احتجاجات كثيرة ودعوات من أطباء لبنانيين للفلسطينيات والسوريات بأن يتوجهن لإجراء الفحص مجاناً، ولكن الأمر يفتح من جديد ملف حقوق اللاجئين في هذا البلد.

إذ عندما تتجدد المطالبات "بتسهيل منح الأذونات إلى اللاجئين الفلسطينيين لممارسة مهنة التمريض والمهن الطبية الأخرى في المخيمات لخدمة سكانها من اللاجئين، وأغلبهم لا يستطيعون تحمل تكلفة معاينة طبية خارج المخيم".

أو عندما "تناشد" جهة مثل "المؤسسة الفلسطينية لحقوق الانسان" وزير الصحة غسان حاصباني "فتح الباب أمام حصول مرضى السرطان من اللاجئين الفلسطينيين على بعض أدوية السرطان المتوفرة فقط في وزارة الصحة".

فإن ذلك يكشف جانباً من المأساة التي يعيشها الفلسطينيون في مخيمات لبنان والتي يحيطها التجاهل "الخالد" لحقوقهم البسيطة، ولا يتوقف عند حرمانهم من "حملات الوزارة الصحية"، أو من تعقيدات الحصول على أذونات مهنة التمريض والمهن الطبية الأخرى، أو من حرمانهم من الوصول إلى أدوية أساسية يحتفظ بها الوزير في خزانة وزارته "للبنانيين فقط".

الأمر يعكس معضلة ثقافية قبل كل شيء.

T+ T T-