الأربعاء 14 نوفمبر 2018
موقع 24 الإخباري

في الجناحين المكسورين للدولة الموعودة.. انقسموا تصحوا

فعالية لإنهاء الاتقسام الفلسطيني.(أرشيف)
فعالية لإنهاء الاتقسام الفلسطيني.(أرشيف)


إذا كان الطرفان قد تمكنا من إيصال الفلسطينيين إلى هذا الحال المزري وهما منقسمان، فإن تصالحهما سيؤدي بالضرورة إلى كارثة أكبر وأعم، لأنهما سيلتقيان على أساس برنامج مناقض للطموح الوطني
بنظرة مثالية منقطعة الصلة بالواقع تبدو الدعوة لاستمرار الانقسام الفلسطيني منسجمة مع المصلحة الإسرائيلية وتعبر عن تناغم مع أهداف وطموحات الكارهين لفلسطين والمتشفين بعذاب شعبها. لكن الحالة الشاذة التي تعيشها سلطتا الانقسام، والأجندات المعلنة لطرفي هذا الانقسام السياسي – الإداري تؤكد أن الطرفين المتباعدين شعاراتياً يتنافسان على أداء الأدوار العملية الداعمة للمشروع الاحتلالي، ويعتمدان المحاصصة في توزيع الأدوار وتقديم مبرراتها "الموضوعية".

دعونا نتحرر قليلاً من الشعار، ونقترب أكثر من الواقع لنراه كما هو بلا رتوش ولا محسنات تزوق المشهد بألوان وطنية متخيلة. ودعونا نمتلك الشجاعة لنرى صورتنا كما هي حقا وليس من خلال مرايا الآخرين.

سلطة فاسدة تحكم في بعض الضفة وتحمل مشروعاً تسووياً لا فرصة له وقد تجاوزته إسرائيل منذ زمن بعيد، وسلطة فاسدة تحكم في غزة وتراوح بين الشعار الجهادي والجهد السياسي الساعي إلى تقديمها بديلاً تسووياً يضفي شرعية دينية على المشروع التسووي الذي انطلق في بدايته على أساس شرعية وطنية متكئة على تاريخ نضالي طويل.

بين السلطتين صراع حقيقي تتوجه مواقف وإجراءات انتقامية غبية تطال ملايين الفلسطينيين المحاصرين في لقمة العيش قبل حرية الرأي سواء في غزة أو في الضفة، وبين كل منهما وإسرائيل خلافات تبدو صغيرة مهما كبرت، لأنها تتعلق بالتفاصيل ولا تصل حد المواجهة، ولأنها تنطلق أصلاً من الإقرار بالوجود الاحتلالي كأمر واقع لا سبيل لتغييره.

اعترفت سلطة فتح في الضفة بإسرائيل منذ زمن بعيد، وكذلك فعلت سلطة حماس في غزة رغم النفي المتكرر لهذا الاعتراف الذي تمارسه حماس واقعياً من خلال الاتفاقات التفصيلية الصغيرة التي تتوصل لها مع إسرائيل من خلال المندوب القطري أو غيره.

واكتفت سلطة فتح في رام الله بإدارة بعض الضفة تحت الاحتلال، وهي تقوم بهذه المهمة رغم كل ما يقوله سدنتها عن الدولة التي لا تقوم بلا غزة. واكتفت حركة حماس بإمارتها الإسلامية في غزة التي حولتها إلى قندهار فلسطينية، رغم التصريحات المتواصلة للقيادة الحمساوية عن حق الفلسطينيين في كل فلسطين.

وفي نطاق التنافس الغبي بين السلطتين تخوض قوى إقليمية متعددة صراعاتها وتحسم خلافاتها على حساب الفلسطينيين في الجناحين المكسورين للدولة العتيدة، ويتحول كيس الطحين أو برميل الكاز إلى إنجاز وطني وانتصار تاريخي ينبغي الاحتفال به.

لم تعد اللعبة مسلية، ولم يعد الكذب ينطلي على ملايين الفلسطينيين في الداخل والخارج، ولم تعد اللغة السياسية المعتمدة مقبولة إلا من الحفنة المستفيدة والمتكسبة في المعسكرين الانفصاليين.

وإذا كان الطرفان قد تمكنا من إيصال الفلسطينيين إلى هذا الحال المزري وهما منقسمان، فإن تصالحهما سيؤدي بالضرورة إلى كارثة أكبر وأعم، لأنهما سيلتقيان على أساس برنامج مناقض للطموح الوطني. لذا تبدو الدعوة لإبقاء الانقسام قائماً ومستمراً دعوة منطقية، وربما يؤدي استمرار صراعهما إلى إضعافهما معاً بما يتيح ظهور خيار وطني مختلف عن هذا الغث السياسي المقيت.

بالطبع لا يقبل المنخرطون في الأطر الانقسامية هذا المنطق، ولن يرى المستهلكون بالتفاصيل واقعنا المريع كما هو، وسيقاومون بكل ما أوتوا من وسائل أي مشروع للتغيير يقوم على هدم البناء السياسي القائم لتأسيس حالة وطنية جديدة تنطلق من فهم واقعي للصراع مع العدو، بدلاً من الانخراط في التبعية المخجلة للمشروع الإسرائيلي.

لكن ذلك ممكن، وربما يكون هذا هو زمن الانهيار السياسي المؤدي للنهوض الوطني، بعيداً عن كل المشروعات التسووية المطروحة، وبما يقترب من حق الفلسطيني في الحياة وفي الحرية بعيدا عن الشعار وبعيدا عن وهم الدولة الموعودة.. وربما يرى الفلسطينيون الآن أن الطريق إلى الدولة الواحدة صعب وطويل، لكنه المسار الوحيد الممكن بعد إغلاق كل الطرق المؤدية إلى تقسيم فلسطين التاريخية.

انقسموا تصحوا.. أو انقسموا حتى يصح حالنا.
T+ T T-