السبت 17 نوفمبر 2018
موقع 24 الإخباري

درس أردوغاني

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مع ممثلي مسلسل "فيلينتا".(أرشيف)
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مع ممثلي مسلسل "فيلينتا".(أرشيف)


إذا أسقطنا الرواية على الواقع التركي المعاصر، واقع العدالة والتنمية والعصر الأردوغاني، فإن القاضي غياث الدين الذي ينتهي به الأمر رئيساً للمخابرات والبنك الوطني، هو الذي يمثل من قريب الأردوغانية
قد يكون دخول تركيا في أزمة مقتل الخاشقجي حافزاً على الكتابة عن تجليات الأردوغانية كما تظهر بعيداً من السياسة. في مسلسل تلفزيوني تركي قد يكون "أرطغرل" وبعده "فيلينتا"، فيلينتا ليس كأرطغرل، إنه في زمن كانت السلطة العثمانية بدأت تتداعى وتحمل اسم الرجل المريض. لن نقف طويلاً أمام المسلسل من الناحية الفنية. المسلسل عبارة عن سيل من الأحداث التي تنشأ بعضاً من بعض ، لا نعرف مرجعاً تركياً لهذا الأسلوب، وقد نجده في القصص العربي، ألف ليلة وليلة وسيف بن ذي يزن، وقد يرجع إلى مسلسلات تلفزيونية أميركية، هي الأخرى شبكات أحداث تبني على بعضها وتخرج من بعضها كـ"دالاس"، نحن هكذا أمام الرواية اللامنتهية.

ما يهمنا فيها هو الخطاب الإيديولوجي الذي يندّ عنها والذي يشير، بعد الأتاتوركية، إلى خطاب جديد للسلطة. من مغامرة إلى مغامرة ومن اشتباك إلى اشتباك نتابع المشير مصطفى بطل المسلسل وهو يخرج من معركة إلى معركة. بالطبع هناك زحمة شخصيات وزحمة أحداث ولا نستطيع هنا إلا متابعة الخيط الرئيسي.

هناك في المسلسل مصطفى بطله لكنه ليس المتحدث باسمه وليس الذي يقول كلمته الأخيرة ومن يستنتج عِبَره وخلاصاته. مصطفى الشاب الذي تعرض لمؤامرة جعلته يقف أمام مربيه القاضي، وفرضت على مربّيه أن يحكم عليه بالإعدام، لكن القاضي الذي يلتزم بالعدل ولا يستطيع أن يحول دونه، يعرف تماماً أن مصطفى بريء وإن تواطأت عليه الأدلة المزعومة، لكن هذا هو القضاء. مع ذلك يستدرج القاضي غياث الدين السلطان الى أن يمهل مصطفى عاماً يبتّ بعده بأمره. مصطفى إذن مدير لبوليس "غلاطة" وهو في الوقت نفسه محكوم بالإعدام، وأبوه بالتربية وغياث الدين يدعمه وهو بوصفه قاضياً يتكامل معه في عمله.

القاضي غياث الدين شعاره ومبدأه العدل الذي يبقى في فمه. بالمقابل وفي مواجهة القاضي ومصطفى هناك بوريس الذي رغم عثمانيته يحمل اسماً مختلفاً وليس بدون قصدٍ يحمل هذا الإسم، بوريس مقابل غياث الدين وبالتضاد معه، هو تجسيد للظلم والشر ولا يبالي بأن يقتل أياً كان في سبيل مصالحه، بل هو لا يتوقف عن القتل والتآمر ولو كان هذا ضد عائلته وأصحابه وهو بديل الشيطان، بخلاف ابنته المحسنة المحبّة وأمها التي أجهز عليها. من مؤامرة إلى مؤامرة ومن جريمة إلى جريمة يستمر المسلسل بخط متعرج فتتفرع عنه خطوط ثانوية، وتتراكم عليه شبكات من دواخل وحشايا. المدينة كل المدينة أمامنا بأسواقها وشوارعها ومافياتها وسوقتها وسلطانها، إنها المدينة بمغالقها ودهاليزها وليس لها شبيه إلا مدينة الوسترن، من يسحب مسدسه أولاً تاركاً خلفه عدداً من القتلى.

 لكن المدينة أيضاً هي مطمع الدول الأجنبية وسفرائها، الذين طرد السلطان واحداً منهم لأنه جلس قبل أن يأذن له. والسلطان يبدو فقط بادئ بدء بسطوته ومهابته لكنه في أواخر المسلسل يظهر بحكمته ووطنيته. «فلينتا» مصطفى ولو كان في الدولة فهو بطل وسترن. إنه يد القاضي غياث الدين الذي بعد أن مارس القضاء وقتاً طويلاً أخرجه السلطان منه ليعينه رئيساً للبنك الوطني والمخابرات.

مصطفى بمواجهة بوريس ومن وراء مصطفى مربيه القاضي غياث الدين. الخير كله في وجه الشر كله، والمدينة هي ساحة ذلك الصراع الذي يشبه روايات المغامرات التي ترجم منها الى العربية «عشاق فينيسيا» وغيرها. ومثلها تتكشف الرواية عن جمعية سرية عالمية تضع في خطتها تدمير العالم والاستيلاء عليه، جمعية سرية بحيث لا نرى وجه رئيسها، والطاعة بالطبع مبدأها الأول.

لا أعرف إلى من يشير المؤلف بهذه الجمعية، لكنها بعدٌ دائم في روايات المغامرات والروايات البوليسية وهذا هو الحال في رواية شارلوك هولمز وبالطبع فإن الجمعية السرية عالمية وهي بذلك خصم كوني. وليست الجمعية السرية الخصم الكوني الوحيد فهناك سفارات الدول الغربية وبخاصة ألمانيا وانكلترا اللتان تتآمران على الدولة العثمانية.

المرحلة غامضة والسلطان غير مسمّى، وإذا أسقطنا الرواية على الواقع التركي المعاصر، واقع العدالة والتنمية والعصر الأردوغاني، فإن القاضي غياث الدين الذي ينتهي به الأمر رئيساً للمخابرات والبنك الوطني، هو الذي يمثل من قريب الأردوغانية، فالقاضي الذي يعرّف الحكم بالعدل ويجمع بين الدين والشريعة والسياسة ثم بين الدين والمال والمخابرات، هو ممثل للأردوغانية والدولة الأردوغانية بخاصة. إنه البطل الحقيقي للمسلسل وليس المشير "فيلينتا" مصطفى أكثر من وسترن. فيما الجو الحافل بالمؤامرات والعصابات والمظالم والتدخلات الدولية لا يصدّه سوى رجل كالقاضي غياث الدين يجمع بين الدين والشرع وتقليص الدولة والولاء القومي. الأيديولوجية الأردوغانية إذا أضفنا المال اليها تتجسد في ذلك.

المسلسل المترجم إلى العربية هو بالتأكيد يجد صدى لدى المتلقي العربي، والقاضي غياث الدين إذا أضفنا إلى شخصيته "الجهاد" هو قريب من المثال السياسي العربي.
T+ T T-