الجمعة 14 ديسمبر 2018
موقع 24 الإخباري

الانقسام فوق السلطة

الرئيس اللبناني ميشال عون ورئيس الوزراء سعد الحريري.(أرشيف)
الرئيس اللبناني ميشال عون ورئيس الوزراء سعد الحريري.(أرشيف)


لا يستحي أحد من أن يعلي مصالحه أياً كانت، وكيف كانت مشروعيتها، على أهداف الدولة وكيانها، والنتيجة أن الدولة، ما نسميه الدولة، ليست سوى عملية طرح وجمع قائمة أو مفروضة
سبعة أشهر والحكومة اللبنانية "الوزارة" لا تزال تتخبط والوفاق عليها لم يتحقق ولا يبدو أننا نقترب منه. ما من أحد بشّر بها. ليست المرة الأولى التي يتأخر تأليفها هذا الوقت لكن هذه المرة يتبادل الأطراف تهم التأخير والعرقلة جهاراً ولا يحاول أحدٌ، والأمر كذلك "أن يحمي هيبة الدولة" من أعلى مركز فيها إلى أدناه. الجميع يعرف الأسباب. كلما توقفت الوزارة عند محطة يعرف الجميع الأسباب، مع ذلك يرمي كلٌ السبب على الآخر، كل يطلب ما يعتبره حقه وما يظنّه الآخر افتئاتاً وجشعاً. هكذا يمكن صياغة الحجج، وهكذا يجد كل من الأطراف من يصدّقها. بالطبع ليس من حق أحد أن يحمّل أحداً مسؤولية فعلية، سيكون هكذا حمّل نفسه وغيره مسؤولية الأزمة. ثم أن من السهل أن يردّ كلٌ موقفه إلى حقه في الدفاع عن جماعته "طائفته"، وهو حق مشروع لبنانياً أياً كان وكيف ظهر، فليس هناك مشروعية أكثر من مشروعية الدفاع عن الجماعة، والدفاع مهما كان، هو حق يعلو على كل حق بل هو المصدر الحقيقي لكل حق.
  
لم تكن المفاوضات على الحكومة قد وصلت إلى ما يشبه الختام حتى ظهر مشكل جديد، لم يكن ينتظره أحد. طالب نواب السنّة الذين فازوا على لوائح خصوم مذهب رئيس الوزارة السياسي، والذي يُعتبر مع ذلك مذهب أكثرية السنّة، بل ومذهب السنة وكنفهم السياسي، بحقيبة وزارية. لم يقبل رئيس الوزارة أو المكلف السني برئاسة الوزارة وتشكيلها موقف نواب السنة المعارضين لرئيس الوزارة بتولية أحدهم منصباً وزارياً. لم يقف رئيس الوزارة عند طلبهم. تلك كانت الأحجية، لا يملك أحد من خارج الطائفة مشروعية أن يتدخل في خلاف داخلي، كما أن المعارضة السنية لرئيس الوزراء ليست لها مشروعية كافية. إنها تعني قسمة السنة ومواربة مذهبهم السياسي، والتحالف الضمني مع جماعات أو طوائف أخرى على حساب الطائفة التي تعاني، وبات هذا واضحاً، من تراجع في المقام السياسي يتعارض مع المقام الذي كان لهم مع الاستقلال.

يمكن أن نستنتج اليوم أن ليس هناك من توازن في السلطة، وليس هناك جماعة تقيم الميزان أو تنصبه. ليس هناك من جماعة تملك روحية الدولة وتلعب، على الأقل، هذه الروحية أو تقدمها على مصالحها الخاصة، وليس هناك من يعطي هذه الروحية أولوية ما، أو أن هذه الروحية ليست هدف أحد، رغم أن الجميع يجاهرون بأن الدولة في شبه غياب ومن يمثلونها غائبون، وما من قوة أو جماعة تقدمها على حضورها ومقامها.

ذلك يعني أن قيم الدولة ليست قائمة، تصدّرها ليس بالحسبان، وأولويتها ليست بالحسبان أيضاً، ولا يستحي أحدٌ من أن يكيد لها أو يقفز عليها، ولو كان هذا معلناً صريحاً.

لا يستحي أحد من أن يعلي مصالحه أياً كانت، وكيف كانت مشروعيتها، على أهداف الدولة وكيانها، والنتيجة أن الدولة، ما نسميه الدولة، ليست سوى عملية طرح وجمع قائمة أو مفروضة. أي أن الدولة ليست مرتبة خاصة وليست كتلة من أي نوع، وليست فريقاً وليست متعدية للجماعات والانقسامات وليست ميزاناً وليست فوق القوى، مهما كانت القوى. ليست الدولة وحدها هكذا بل من يمثلها ويحتل منصباً فيها، فالمنطق يقضي بأن هذه المناصب لم تعد في المقدمة، لم تعد سلطات بأي نوع ومن أي رتبة. إنها مراتب صورية ورموز وأسماء مملكة في غير موضعها، كما قال الشاعر العربي. إنها أسماء فحسب، والاسم في أغلب الأحيان يجعل صاحبه في آخر الصف لا في أوله. إنه في هذه الحالة مجرد إسم ومجرد تسمية ومجرد صفة ورمز فحسب. ليس هناك من صوت يقرر ويحسب، هناك ضوضاء تقرّر ولا تقرّر وتحسم ولا تحسم. نظام كالفوضى إن جاز أن تكون الفوضى نظاماً، فوضى يتوافق الخائضون فيها إذا أفضت الحسابات إلى ذلك ووقفت عنده الحسابات، يتوافقون ولا يتوافقون وإذا لم يتوافقوا لم يعد هناك سلطة ولا قرارات ولا قوانين.

يمكننا أن ننسب ذلك الى التعدد الطوائفي الذي نسمّيه أحياناً تعدّداً ثقافياً. تاريخ البلد يؤيد وجهة نظر كهذه، فالطوائف سبقت السلطة طوال العهد العثماني والطوائف انحصرت في جبالها وسواحلها، والطوائف تصارعت بمعدلات شبه منتظمة، ونتج عن ذلك حروب أهلية تركت قروحاً ودمامل وجروحاً وذكريات وضغائن وتجذّرت وطبعت النفوس وتوارثها الجميع. هذا ما يبدو تفسيراً مبسطاً، لكنه لا يبقى كذلك مبسطاً ومفسراً، إذا ضممنا اليه ثقافات ليست من لونه.
 الأقسام المتصارعة دخلت في تحالفات عارضة ولا تزال. المتصارعون انقسموا على أنفسهم غير مرة، وتجمعهم قليلاً أو كثيراً ثقافة مجلوبة ليست قيمها، في آخر الأمر، بعيدة عن قيم الدولة. تجمعهم قليلاً أو كثيراً حريات تُفسح للفرديات والثقافة الفردية أن توجد وأن تقوم. المتصارعون امتلكوا قليلاً أو كثيراً نظام حياة ونظام وقت ونظاماً معيشاً كان يمكنه أن يصرفهم عن القتال، وعن الحروب وعن النزاع. المتصارعون قليلاً أو كثيراً ليسوا تحت خط الفقر وليسوا في دوائر البؤس وليسوا في أساليب الحضيض. هذه جميعها روادع عن الحروب سواء كانت بالسلاح أم بالألفاظ، روادعا تصدير الانقسامات بدلاً من تقديم مصالح وتفاهمات لها أسس في الاقتصاد وفي الثقافة.

يمكن أن نجد الأسباب في تاريخ من الانقسامات والعشائرية وفقدان النظام والبعد عن الدولة. لقد أمكن تأسيس زمر طائفية وعصب حول بيوت حاكمة، أمكن قيام مشيخات وأعراف وقيم بطريركية، لكن هذا الإصرار على الدمج بين المصلحية العشائرية ونظام الطبقة الوسطى الحياتي، هذا الجمع بين فرديات وحريات هذه الطبقة مع الميراث العنفي والدموي وبين الحروب الداخلية والاستتباع الخارجي، هذا الجمع بين ثقافة شبه أوروبية وعشائرية راسخة، يجعلنا نفهم ان للإجتماع وربما للثقافة أسبقية على الدولة والنظام السياسي، إن كان هناك حقاً دولة ونظام سياسي.
T+ T T-