الجمعة 14 ديسمبر 2018
موقع 24 الإخباري

محمد خلف المزروعي و دار زايد



في فضاءات الحنين للغائبين عنّا، العزيزين علينا، تختفي نعمة النسيان مهما طال الزمن، يضطرب القلب ويرتعش، ويتجمّد حبر القلم كأنّه لم يكتب يوماً حرفاً واحداً.. فما أقسى رحيلك يا أبا خلف!، وكم هو موجع غياب الأحبة!.

رحل الصديق والأخ والمسؤول، الذي لم نكن نفكر في غيابه مُبكراً، لكنّه تسرّع الغياب كعادته تماماً عندما كان يُسابق الزمن لتحقيق طموحاته بإنجاز الكثير لبلده، وكأنّه يعلم، فكان جشعاً في حب الوطن وخدمة قادته، وكريماً في توريث أجمل الصفات لخلف ومي.

ما زلت أستحضر ابتسامته أمامي، وهو النموذج للرجال الأوفياء للدار وضيوفها، هكذا هم الطيّبون والمُميّزون دوماً، إنهم يتعجلون الرحيل تاركين لنا حضورهم حُلماً جميلاً لا نرغب بالاستيقاظ منه.

لم تقتصر اهتمامات أبوخلف – رحمه الله – على الجوانب التراثية والثقافية والإعلامية التي برع فيها حدّ الريادة، بل كان له كذلك صولات وجولات صعبة في مواجهة القوى الظلامية التي اتخذت من الدين ستاراً، فتصدّى لها بالفكر المُستنير والحوار الثقافي الهادئ، وكان له أيضاً ما أراده من نجاح يُشارك به في حماية وطنه وصون إنجازاته.

أذكر أنّه في صيف العام 2002، وبينما كنّا في لقاء ودّي بأحد مقاهي أبوظبي، وبحضور عدد من القيادات الشابة حينها، كان أبوخلف ينقل لنا وبحماس كبير تطلعات أصحاب السمو الشيوخ لأن تكون دولة الإمارات ضمن أفضل خمس دول في العالم بحلول العام 2021.

في الحقيقة، وبقدر ما كنت مُتفاجئاً ومُعجباً بهذه التطلعات المشروعة لدولة عربية عزيزة على قلوبنا، وبالرغم من أنّ الإمارات حينها كانت دولة مرموقة تشهد نهضة حضارية مُتنامية، إلا أنّ البعضَ قد يلمس شيئاً من المُبالغة في إعلاء سقف الطموح لدولة تأسست في العام 1971، ونحن نتحدث هنا عن تصريحات قيلت قبل 16 عاماً، بكلّ ما يعنيه هذا الفارق الزمني في ذلك الوقت.

لكن ها هي دولة الإمارات اليوم، نوفمبر 2018، وقبيل الموعد المُفترض بـِ 3 سنوات على الأقل، نفخر بها وقد تبوأت المركز الثالث في مؤشر جودة التنظيم الحكومي على مستوى العالم، فيما حلت بالمركز الرابع في مؤشر التوجه المستقبلي للحكومة، كما جاءت في قائمة الدول العشر الأوائل بأكثر من 100 من مؤشرات التنافسية الاقتصادية مُطيحة بذلك أكبر دول العالم وأكثرها تطورا، فضلا عن تصدّر الإماراتيين لقائمة أكثر شعوب العالم سعادة ً في السنوات الأخيرة.

وفي ذات الوقت، يرتقي جواز السفر الإماراتي هذا الشهر إلى المركز الرابع عالميا ضمن قائمة أقوى جوازات السفر في العالم، بما يعكسه هذا الإنجاز الكبير من مكانة حقيقية لدولة الإمارات على الصعيد الدولي، ونجاح كبير للدبلوماسية والقيادة الإماراتية.

هذه الأرقام تعني الكثير، فالإمارات رسمت لنفسها بذكاء طريق المستقبل قبل سنوات، وتمكنت بجهود رجالها المُخلصين من أمثال المغفور له بإذن الله محمد خلف المزروعي، من تحقيق المُعجزات والوصول نحو أهدافها خلال فترة زمنية وجيزة جدا، ولتكون كلمتها ذات ثقل وحاضرة بقوة اليوم في كافة الميادين السياسية والاقتصادية والثقافية والتعليمية على مستوى العالم.

وعندما تعترف الصحافة البريطانية بذلك، وتقول إنّه بينما يتطلب بناء بسيط في لندن ما يُقارب الـ 3 سنوات للحصول فقط على تصاريح البناء اللازمة، فإنّ الإمارات تنتهي خلال نفس المدة من إنجاز أعلى ناطحات السحاب في العالم، فاعلم أنك في دار زايد.

وعندما يحتاج أيّ شخص في فرنسا لعام على الأقل من الإجراءات الصعبة والطويلة ليتمكن فقط من تبديل رخصة القيادة الصادرة من بلد آخر بأخرى فرنسية، بينما تُنجز أبوظبي في 2009 جزيرة ياس كاملة بفنادقها وشوارعها وحدائقها وحلبة السباق الضخمة خلال فترة لا تتعدّى 10 أشهر كانت قبلها الجزيرة مُجرّد رمال، بل وتنظم في نهاية تلك الفترة سباق الفورمويلا 1 العالمي للسيارات بحضور دولي غير مسبوق، فاعلم أيضا أنك في دارٍ عزيمة رجالها أوصلتهم لاستكشاف المريخ.

الحديث يطول جداً، لكن اليوم أجدها مناسبة للدعوة لإعادة التصنيف البالي لدول العالم، ففي المركز الأول ضمن قائمة دول العالم المُتقدّم دولة واحدة لا غير، الإمارات بدون مُنافس، ولتتوزع باقي الدول على قوائم أخرى بأيّ مراكز تُريدها، لكن إن أرادت تعزيز مكانتها فلترسل مواطنيها وقادتها ليكتسبوا الخبرة من أهل الإمارات وقادتها، لكن عليهم أولا أن يتحلوا بحب وطنهم بنفس القدر الذي يحمله الإماراتيون لبلدهم.

محمد خلف المزروعي هو أحد هؤلاء الرجال الشرفاء الذين ساهموا بوضع وطنهم في المراكز الأولى على مستوى العالم، فقد كان - رحمه الله - يعمل جاهدا على إبراز صورة دولته ومجتمعه على أحسن صورة في مختلف المجالات.

إحدى أبرز خصائله أنّه لم يكن يرغب أبدا بأن ينسب أيّاً من إنجازاته الكثيرة إليه شخصياً، فلطالما كان يعتبرها إنجازات إماراتية تمّت بفضل توجيهات القيادة الرشيدة وتكاتف فريق العمل المُخلص.

قبل 4 سنوات من اليوم، نقل لي أحد الصحافيين الفرنسيين اتصال ﺍﻟﻤﺪﻳﺮﺓ ﺍﻟﻌﺎﻣﺔ السابقة ﻟﻠﻴﻮﻧﺴﻜﻮ ﺇﻳﺮﻳﻨﺎ ﺑﻮﻛﺎﻓﺎ به فور سماعها نبأ الرحيل المفاجئ للاستفسار عن مدى دقة المعلومات، ولتُعبّر حينها عن عميق حزنها لهذه الخسارة الكبيرة لرجل عشق وطنه وعمل بجهد من أجل تسجيل تراث وآثار دولة الإمارات في قائمة التراث الثقافي المادي والمعنوي بمنظمة اليونسكو.

فلقد كانت للراحل، وفقاً لما قالته بوكافا، مواقف فكرية وثقافية ووطنية كبيرة معروفة على مستوى العالم، وكان حريصا على إعلاء اسم دولة الإمارات في كل المناسبات، يفرح كثيراً عندما يرى علم بلاده في المحافل الدولية، وكان ودوداً ومُحبّاً للتواصل بين مختلف الثقافات.

لقد عزّز فينا محمد خلف قيم المبادئ والتفاني في العمل والفخر بالمُنجزات، حتى أحببنا الإمارات بمستوى حبّه فعلا لا قولا، علمنا المحبة والتسامح ومعنى الأخوّة، معنى البذل ومواصلة العطاء للوطن والقيادة الرشيدة، وللشعب الأصيل المُتفرّد بهويته الإماراتية، التي هي ثقافة وهوية وفخر كل العرب دون استثناء، لكن ليتهم أحبوا بلدانهم كما أحبّها أبوخلف!.

محمد خلف، لم يرحل، ما دام الرجال في دار زايد يُكملون الرسالة.

"دار زايد" العبارة الأحب إلى قلبه وعقله وروحه.

رحمك الله، أبا خلف، وأدخلك فسيح جناته.
T+ T T-