الجمعة 14 ديسمبر 2018
موقع 24 الإخباري

الهروب من الذات أم البحث عنها؟

تعبيرية.(أرشيف)
تعبيرية.(أرشيف)


هو الشعور العميق بالدونية لدى "مغيّر لهجته" وإحساسه الدائم بأنه عنصر غريب عن المكان والزمان اللذان يعيش فيهما، وهو ما يدفعه وبلا شعور للبحث الدائم عن الوسيلة المناسبة لخلق التوازن النفسي والذهني مع الظرف المكاني والزماني
تضاعفت أعداد العاملين في مجال الإعلام والفن في العالم العربي، الذين يلجؤون إلى تغيير لهجاتهم إلى لهجات أخرى إلى درجة أصبحت هذه العادة تشكل ظاهرة لافتة تحتاج إلى تفسير وتحليل ببعدين: الأول تفسير اجتماعي، والثاني تفسير نفسي، فاللهجة هي جزء لا يتجزأ من اللغة التي تعد مكوناً أصيلاً من مكونات الشخصية أي كانت هذه الشخصية، والسؤال الكبير الذي يطرح نفسه هو لماذا يلجأ هؤلاء إلى مثل هذا السلوك غير المستساغ أو غير المقبول لدى أغلبية الناس؟

الجواب الأول يمكن أن يكون سبباً ظرفياً يتطلبه الجو العام الذي يضطر فيه المتحدث إلى تغيير لهجته، وفي الأغلب يكون سبب ذلك أن الجو الثقافي أو الاجتماعي السائد غير متفهم للهجة المتحدث، وبالتالي يضطر المتحدث إلى مجاراة ذلك الجو عبر التحدث باللهجة الدارجة فيه، أي من أجل "التفاهم مع الجو العام السائد" لا مجاملته.

الجواب الثاني: هو شعور المتحدث أن لهجته المحلية المحكية تسبب له حرجاً ما وتظهره بصورة أقل من غيره بشكل أو بآخر مما يدفعه إلى تغيير لهجته والتحدث باللهجة التي تعد في نظره ونظر المجتمع الذي يتواجد فيه بصورة "ظرفية" من حيث المكان أو الزمان، لهجة راقية تجلب لمتحدثها قيمة مضافة وأهمية واهتماماً من قبل الآخرين .

الجواب الثالث: هو الشعور العميق بالدونية لدى "مغيّر لهجته" وإحساسه الدائم بأنه عنصر غريب عن المكان والزمان اللذان يعيش فيهما، وهو ما يدفعه وبلا شعور للبحث الدائم عن الوسيلة المناسبة لخلق التوازن النفسي والذهني مع الظرف المكاني والزماني المتواجد فيهما والبحث عن الوسيلة المثلى التي تصنع له هذا التوازن، وفي الغالب تكون اللهجة المحاكاة هي تلك الوسيلة.

ومن الحالات الملفتة جداً أن مغنية عربية ضعيفة الشهرة تحولت فجأة إلى مقدمة برنامج حواري، تتحدث في هذا البرنامج الحواري باللهجة المصرية وباللهجة اللبنانية ولهجات خليجية، أما شكلها فقد تعاملت معه بدرجة عالية من الاستهلاك حيث تقوم بتغيير شكلها ولون عينيها وشعرها ورموشها في كل حلقة دون أي اعتبار لذاتها أو لجمهورها الذي اعتاد على شكلها وتعامل معه وأحبها على أساسه، وهذه أمثلة لحالة "تيه كامل" تبحث فيه هذه الشخصية المعنية عن هوية.

في تحقيق صحفي لهيئة الإذاعة البريطانية حول هذا الموضوع تمت الإشارة إلى شخصيات سياسية مشهورة اضطرت إلى تغيير لهجتها، حيث يقول التقرير إن هناك بعض الأسماء الشهيرة التي فعلت ذلك مثل مارغريت ثاتشر التي غيرت لهجتها المميزة لسكان مقاطعة لينكولنشير لتتحدث بلهجة أكثر فخامة ورقياً، متبنية اللهجة الرسمية التي يستخدمها المثقفون في بريطانيا، والتي كان يعتقد وقتها أنها لهجة مميزة لذوي المناصب في السلطة السياسية.

وفي وقت لاحق وحسب التحقيق أخذ كل من طوني بلير، وجورج أوزبورن لهجتيهما في الاتجاه المعاكس، وذلك بإضفاء مصطلحات وألفاظ خاصة بالطبقة العاملة على خطابهما المعروف في العادة أنه خطاب الطبقة العليا، وذلك في محاولة لتحسين فرص تقبل الجمهور لأجندتيهما. وقد أدت التغييرات الواضحة في لهجتيهما إلى السخرية منهما باعتبار أن ذلك يعد تنازلاً عن الأصالة.

إن البحث عن الذات أعلنه وبشجاعة الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات في كتابه المهم "البحث عن الذات" وروى فيه قصة حياته الممتزجة بقصة حياة مصر، وأهم ما جاء فيه أنه وعندما نشر كتابه قال بشجاعة يعجز عنها الكثيرون إنه كان يبحث عن ذاته، وقيمة كلامه هذا إنه قيل وهو "يعيش إحساساً كاملاً بالعظمة ويمتلك السلطة امتلاكاً كاملاً".

والسؤال من منا يجرؤ على طرح هذا السؤال على نفسه ؟
T+ T T-