الجمعة 14 ديسمبر 2018
موقع 24 الإخباري

الجولة الأخيرة من العقوبات الإيرانية ضربة قاضية للاقتصاد الإيراني

إيرانيون يعدون أوراقاً مالية إيرانية.(أرشيف)
إيرانيون يعدون أوراقاً مالية إيرانية.(أرشيف)
وصف البروفسور جواد صالحي أصفهاني، أستاذ الاقتصاد بجامعة فيرجينيا، انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني بأنه ضربة قاضية لبرنامج الإصلاح الاقتصادي الذي كان يعتزم الرئيس الإيراني حسن روحاني تطبيقه في بلاده، وبخاصة مع الجولة الجديدة من العقوبات الاقتصادية الأمريكية ضد إيران.

تخلى أبرز الاقتصاديين الليبراليين والمستشارين الاقتصاديين عن فريق روحاني بسبب إخفاق برنامج الإصلاح الاقتصادي
ويشير أصفهاني، في مقال بموقع "معهد بروكينغز"، أن فرض الجولة الجديدة من العقوبات الأمريكية لم يسفر فقط عن تغيير سلوك إيران على النحو الذي استهدفته إدارة ترامب، وإنما أسفر أيضاً عن تخليها عن سعيها لتحقيق الإصلاحات الاقتصادية الداعمة للسوق الحرة؛ حيث توقف الرئيس الإيراني روحاني تدريجياً عن تنفيذ أجندته الإصلاحية بعد انتخابه مرتين عامي 2013 و2017 بناء على برنامجه للإصلاحات الاقتصادية الليبرالية.

فوضى اقتصادية
وبسبب الفوضى الاقتصادية الناجمة عن إعادة فرض العقوبات الأمريكية ضد إيران، يجد روحاني نفسه في موقف غريب، بحسب أصفهاني، إذ يتعين عليه الإشراف على مراقبة الأسعار ومعاقبة محتكري السلع المطلوبة، ودعم واردات مجموعة متنوعة من السلع، بما في ذلك الهواتف المحمولة، وذلك في الوقت الذي خسر فيه معظم الأعضاء الليبراليين في فريقه الاقتصادي.

ويشير الباحث إلى أن الرئيس روحاني نجح خلال عام 2015 في توقيع الاتفاق النووي مع الدول الكبرى، ومع تخفيف العقوبات بموجب هذا الاتفاق نما اقتصاد إيران بقوة بنسبة 12,5% في عامي 2016 و2017، ولكن على العكس من ذلك سوف ينكمش الاقتصاد الإيراني خلال هذا العام والعام المقبل بحسب صندوق النقد الدولي، وربما يصل الانخفاض إلى 10% إذا نجحت الولايات المتحدة في الحصول على تأييد بقية العالم لعقوباتها الأحادية الجانب.

ضربة قاضية
ويرى الباحث أن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي يشكل ضربة قاضية مباشرة لبرنامج روحاني الاقتصادي الذي كان يرتكز على استقرار الاقتصاد الكلي، بما في ذلك انخفاض التضخم واستقرار العملة، ولكن بدأ انهيار هذا البرنامج في عامي 2017 و2018 مع انسحاب الشركات الأجنبية من إيران عندما بدأت الولايات المتحدة التهديد بفرض العقوبات الاقتصادية، ومن ثم فإن خطة روحاني خسرت أهم مكوناتها وهي الاستثمار والتكنولوجيا الأجنبية.

وعلاوة على ذلك، بدأ الإيرانيون في التخلص من الريال الإيراني وتحويل ثرواتهم إلى العملات الأجنبية (خاصة بعد الانهيار الذي حدث من قبل عام 2012 وتسبب في خسارة الإيرانيين مقداراً كبيراً من ثرواتهم التي كانت بالعملة المحلية). ونتيجة لذلك فقد الريال الإيراني 70% من قيمته في غضون بضعة أشهر.

ولأن معظم المنتجات المتداولة في الأسواق الإيرانية يتم استيرادها من الخارج أو إنتاجها بمكونات مستوردة (نصف واردات إيران تقريباً عبارة عن سلع وسيطة)، فقد ارتفعت أسعار العديد من السلع والخدمات بسرعة بعد انخفاض قيمة العملة الإيرانية، وبلغ متوسط معدل التضخم السنوي إلى 71% في الفترة من مايو (أيار) إلى سبتمبر (أيلول) 2018، وبذلك تبدد الانجاز الاقتصادي الرئيسي الذي حققه روحاني بخفض مقدار التضخم.

توزيع غامض للثروة النفطية
ويلفت الباحث إلى رحيل أبرز الاقتصاديين الليبراليين والمستشارين الاقتصاديين عن فريق روحاني بسبب إخفاق برنامج الإصلاح الاقتصادي؛ إذ فقد رئيس البنك المركزي في شهر يوليو (تموز) الماضي وتبعه رحيل ثلاثة وزراء رئيسيين آخرين فضلاً عن مستشاره الاقتصادي الرئيسي. وعلى سبيل المثال يكتب وزيره السابق لشؤون الطرق والتنمية الحضرية عباس أخوندي (الذي أقاله مجلس الشورى في أكتوبر الماضي) بمرارة عن الفرص الضائعة للإصلاح الاقتصادي، وكلها أمور تؤكد أن حقبة الإصلاح في إيران انتهت فعلاً؛ لاسيما أن فقدان روحاني لتأييد ودعم القطاع الخاص بات حتمياً.

ويقول الباحث: "كان جزء كبير من الفساد في الاقتصاد الإيراني ينبع من التوزيع الغامض للثروة النفطية للبلاد، وكان برنامج الإصلاح الاقتصادي (الذي طالب به الاقتصاديون الليبراليون الذي غادروا فريق روحاني الآن) يشمل توحيد أسعار الصرف بين السعر المخصص للحكومة والسوق الحرة، وقد حاول الاقتصاديون الليبراليون إزالة الفجوة التي كانت بمقدار 20% وارتفعت الآن إلى 65%، وثمة حاجة إلى ضوابط للأسعار لمنع التجار الذين يستوردون السلع بالعملة المحلية المدعومة من بيع هذه السلع بأسعار باهظة".

ويوضح الباحث أن تأييد الإصلاحيين للاتفاق النووي كان نابعاً من اعتقادهم أن الاندماج الوثيق في الاقتصاد العالمي قد يحقق أهدافاً تتجاوز جذب الموارد والتكنولوجيا الغربية؛ إذ كان وسيلة (من وجهة نظرهم) لزيادة شفافية المؤسسات المالية والتجارية الإيرانية لتحسين مناخ الأعمال التجارية داخل البلاد، ولكن عودة العقوبات الاقتصادية ستقود إلى القضاء على هذا الهدف لسنوات لأن حافز إخضاع مصارف إيران للتدقيق العالمي لم يعد موجوداً.

تهديد استقرار المنطقة
ومنذ عام 1989 قام البرلمان الإيراني بالتصويت على تشريع لمساعدة إيران على الامتثال لاتفاقيات مكافحة غسيل الأموال مثل فرقة العمل المعنية بالإجراءات المالية بشأن غسل الأموال واتفاقية باليرمو، لكي تعمل البنوك الإيرانية في السوق الدولية، وقد اقترح الرئيس المتشدد محمود أحمدي نجاد هذا التشريع لأول مرة ووافق عليه البرلمان المتشدد، ولكن المتشددين عارضون هذا التشريع بذريعة أنه يمكن تأجيل الشفافية الدولية مع تهديد العقوبات لاقتصاد إيران وأمنها.

ويرى الباحث أن المتشددين الإيرانيين (بسبب تراجع برنامج روحاني الإصلاحي) يهددون الآن بقطع شريان الحياة الضيق الذي ربما يمنحه الاتحاد الأوروبي لإيران. فخلال الأشهر الستة الماضية يعمل الاتحاد الأوروبي على إنشاء آلية خاصة تسمح للشركات الأصغر (التي لا تتعامل مع سوق الولايات المتحدة وبالتالي لن تتأثر من تطبيق العقوبات الأمريكية ضدها) بممارسة التجارة مع إيران، ولكن لاتزال تفاصيل هذه الآلية غامضة، ولذلك من الصعب توقع قدرتها على إحداث فرق كبير بالنسبة لإيران. لذلك يفضل المتشددون أن تقوم إيران بتوطيد العلاقات مع الصين وروسيا بدلاً من أوروبا والولايات المتحدة وأن تنسحب إيران من الاتفاق النووي وذلك على الأرجح من خلال زيادة تخصيب اليورانيوم أو الحد من عمليات التفتيش التي تقوم بها الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

ويحذر الباحث في ختام مقاله، من أن تحرك إيران في هذا الاتجاه، لن يقود فقط إلى زعزعة خطة الإصلاح الاقتصادي للرئيس روحاني وإنما سيقود إلى تهديد استقرار المنطقة برمتها. 
T+ T T-