الجمعة 22 نوفمبر 2019
موقع 24 الإخباري

مستقبل جماعة "الإخوان"... بين الفكرة والتنظيم

إرهاب الإخوان (أرشيف)
إرهاب الإخوان (أرشيف)


في تصوري أن الفكرة التي قامت عليها "جماعة الإخوان" قد وصلت إلى طريق مسدود، بعد أن ذهبت عنها إمكانيات التطوير والمراجعة والتأهيل لملاءمة زمن مختلف عن ذلك الذي انطلقت فيه قبل تسعين سنة.

وكلما قرأت شهادة أو مذكرات أو ذكريات أو اعترافات من أحد دخل الجماعة وانخرط في صفوفها سنوات، ثم خرج منها لا يلوي على شيء، أيقنت أن الحديث عن مثل هذا الإفلاس ليس من قبيل التجني، ولا حتى التمني، عند من يناصبون الإخوان العداء، إنما هو أمر واقع، لا تنكره غير قيادات الجماعة العجوز، الذين يظنون أن الكيان الذي يعتلون ظهره قادر على أن يغلب الزمن، ويتجاوز الظروف، ويحقق الانتصار لا محالة، مهما توالت الهزائم.

ولا يمكن أن نتجاهل أن بعض أصحاب هذه الشهادات قد أرادوا الكيد لجماعة لم تفسح لهم مكانا متقدما في صفوفها، وبعضهم استماله من هم في خلاف مع "الإخوان"، وهناك الذين آثروا السلامة بالابتعاد عنها، ثم القدح فيها. لكن هناك تجارب حقيقية، وهي الغالبة، سجلها أولئك الذين أخلصوا للجماعة، وظنوا أنها تمثل الإسلام حقا، وأن غايتها هي الله كما يقول بيانها المؤسس، ويؤكد شعارها الأثير، ثم اكتشفوا بعد طول اختبار أن الوصول إلى الله يتطلب منهم أن يسلكوا طريقا مغايرا.

من بين هؤلاء الأستاذ عماد علي عبد الحفيظ، الذي أعتقد أن كتابه: "في السجن عرفت الإخوان"، من أكثر الكتب صدقا في مبناه ومعناه، التي قامت بتشريح عقل الجماعة ونفسيتها، في ركاب الإدلاء بشهادة عنها، أو سرد تجربة بين أعضائها، لاسيما أن المؤلف لم يكتف بالوصف، ولم يقتصر على ما رآه وشاهده بنفسه، إنما وضع كل هذا في سياق اجتماعي تاريخي، وأعطاه قسطاً وافراً من التأمل والتحليل، مبرراً ما أقدم عليه بأن الإخوان ليست شأناً خاصاً، وأن من حق المجتمع أن يعرف هذه الجماعة من الداخل، متجاوزاً الطلاء الخارجي الذي يلمع في عيون الناظرين ليعميها عن رؤية الحقيقة، وأن الإخوان هم أصل الجماعات والتنظيمات طالبة السلطة السياسية، ومن ثم فإن معرفتهم حق المعرفة، أمر ضروري، سواء لمن أراد الانخراط في صفوف الجماعة، أو من يحاول إصلاحها من داخلها، أو الذي يسعى إلى إنقاذ الإسلام من عملية التوظيف الأيديولوجي الذي تقوم به.

ويطرح الكاتب سؤالاً مهماً عن سبب تأخر الجماعة في مراجعة أفكارها، وعما إذا كانت جادة في أن تسلك هذا الطريق أصلاً؟ ويقول: "وقت الأزمة يقول الإخوان إن الوقت غير ملائم للتقييم والمراجعة، وبعد الأزمة يقولون: لا وقت لدينا نضيعه في الحديث عن الماضي"، ثم يبين، من خلال رصده لما يجري للإخوان داخل السجون، الطرق التي يتبعها قيادات الجماعة للحفاظ على تماسكها، دون إبداء نية صادقة في مراجعة حقيقية لأفكارها ومواقفها.

ومن هذه الطرق: اتباع سياسة الإلهاء والتخدير، وكتم الاعتراضات على تصرفات القيادة التي أدت إلى ما آلت إليه الجماعة من أزمة عميقة مع مجاراتها أو نفاقها في العلن، وتجنب الحديث عن الانقسام الحادث في صفوف الإخوان، وفرض قيود على الراغبين في التمرد والعمل على احتوائهم في آن، والتركيز في الدروس على العلوم الدينية البحتة دون غيرها، ونقل رسائل من المرشد بين حين وآخر بألسنة الذين يقابلونه حين يمثل للمحاكمة أمام القضاء مفعمة بالبشارات والآمال، وإطلاق النكاية أو الشماتة والتشفي إن مس ضر كل من تعتبرهم الجماعة أعداءها، واتخاذ هذا باباً لتعزيز الصبر في نفوس أعضاء الإخوان وتثبيتهم على بلواهم، والزعم بأن الله معهم ينتقم ممن ساهموا في إزاحتهم عن السلطة.

ولأن الأمر على هذا النحو، في السجن أو خارجه، فإن الفكرة الإخوانية تكون قد وصلت إلى طريق مسدودة إن اعتمدت على قواها الذاتية، وعوامل تكوينها التي تراكمت على مدار السنين الطويلة التي عاشتها، اللهم إلا إذا وجدت من يمنحها قبلة الحياة، بتعميق فكرة المظلومية، وقتل البدائل والخيارات، وتحجيم الثقافة الحديثة، وانغلاق المجال العام أمام القوى السياسية المدنية.

ويعول "الإخوان" في بقاء فكرتهم حية على محنتهم الحالية التي أدخلوا انفسهم فيها بالتحالف والتنسيق والتفاهم والتواطؤ مع تجمعات وتنظيمات ما تسمى بـ "السلفية الجهادية" التي تمارس العنف والإرهاب، وابتعادهم التام عن طريق الثقافة المدنية التي كانوا يعطون إشارات أحياناً، عبر بعض قيادتهم، بأنهم قابلين للمضي فيها، عبر استيعاب قيم الحداثة وتصوراتها ومختلف اتجاهاتها. لكن هذا التعويل لن يجدي نفعاً، لأن الفكرة نفسها تنهار كلما وضعت في اختبار حقيقي، حتى في ظروف عادية لا "محنة" فيها ولا "مظلومية".

وكان أول اختبار للفكرة "الإخوانية" أيام مؤسسها حسن البنا، الذي بدأ بحديث عن "الدعوة" لم يصمد سوى خمس سنوات وانتقل به إلى "الدولة"، مبرهناً على أن تناول المسائل الخاصة بالخيرية والنفع العام وطهارة النفوس وإصلاح المجتمع، لم تكون سوى تمهيد لجمع الأتباع، بينما كان المقصد الجوهري يدور في رأس البنا نفسه، وهو تحويل الإسلام إلى أيديولوجيا، واختزال الأمة في جماعة، والانحراف بالموعظة الحسنة إلى إجبار وإكراه، مارسه بإفراط "التنظيم الخاص" الذي أنشأه البنا، وأشرف عليه، وأعطاه إشارات بالاغتيال والتخريب، ثم حاول التنصل منه حين انكشف أمره، وضاق الخناق على جماعته، بقوله الشهير الذي وصف فيه أعضاء هذا التنظيم: "ليسوا إخواناً وليسوا مسلمين".

وحاول الإخوان أن يجددوا فكرتهم من خلال كتاب وضعوا عليه اسم مرشدهم الثاني حسن الهضيبي عنوانه "دعاة لا قضاة"، لكن لم تمر سنوات حتى ظهر أن ما جاء في هذا الكتاب لم يكن سوى مراوغة ومهادنة أو "تقية"، إذ جاء اصطدام الإخوان سريعاُ مع الأفكار التي كان يتبناها نظام عبد الناصر، وراقت في أيامه لأغلبية المصريين، وصنعت اتجاهاً فكرياً، لم يخاصم الإسلام، كما زعم الإخوان دوماً، إنما وظفه في محاولة ترجمة أشواق الناس إلى العدالة الاجتماعية، والاستقلال الوطني، والدور الإقليمي الملموس، وإن كان قد أخفق في مجال الحريات، ولم يطور آلياته المدنية، بما سمح للإخوان بالعودة على يد رجل آخر من نظام يوليو هو الرئيس السادات، عبر استعمال الجماعة في تصفية اليسار المصري.

وبينما كان الإخوان يعانون من خواء فكري، ظهر في حياتهم سيد قطب، الذي انتحل الكثير من أفكار أبو الأعلى المودودي لاسيما مسائل الحاكمية والجاهلية الجديدة والعصبة المؤمنة أو استعلاء الإيمان وتقديم رابطته على روابط الدم والجيرة والمصلحة المشتركة. ووظف قطب براعته في الصياغة ليصنع أيديولوجية هائمة، تخاطب العواطف وتزدري العقول، دون أن تجهر بهذا، فاستقطب أفئدة اتباع الإخوان، ومعهم الكثير من الجماعات والتنظيمات المتطرفة، لكن مثل هذه الأفكار المتطرفة كانت في جوهرها خطوة إلى الوراء.

وبينما راح بعض "الإخوان" يجارون لفظاً الجدل العام حول المسألة الديمقراطية، بما توجبه من إيمان جازم بالتعددية وتداول السلطة واحترام الحقوق والحريات، كانت أفكار قطب تتمكن من قلب الجماعة، وهي مسألة انتبه إليها الباحث الراحل حسام تمام في بحثه المهم "تسلف الإخوان" وشرح جوانبها، مبيناً عيوبها القاتلة، ووقوفها عقبة كؤود أمام إمكانية تطور أفكار الإخوان، واصفاً هذا بأنه "تآكل للأطروحة الإخوانية". وحين وصل الإخوان إلى السلطة تبين لكثيرين أن خطابهم السياسي المعلن لم يكن سوى طلاء يخفي تمكن القطبيين من أفكار التنظيم.

يعول "الإخوان" الآن على ضعف التيار المدني في مصر وغيرها، لمشكلات عديدة ليست السلطات المتعاقبة مبرأة من صناعة بعضها، في إمكانية لملمة أشتات الجماعة والعودة من جديد، لكنهم يغفلون في سعيهم هذا أن فكرتهم لم تعد صالحة لزماننا، ولا يدركون أن مشكلتهم لم تكن إدارية، ولا مرتبطة بالصراع على السلطة إنما لأن تصورهم لم يعد صالحاً لتسويقه على نطاق واسع وسط أجيال جديدة، انكشف أمامها المشروع الإخواني، وظهر تهافته، ولا تلوح في الأفق أي بوادر تبين أن أسسه ومنطلقاته قابلة للمراجعة، أو أن الواقفين على حراسته يمكنهم إبداء أدنى حد من المرونة في سبيل إجراء جراحة عميقة عليه كي يظل قابلا للتداول، وربما يعود هذا إلى أدراكهم أن مثل هذه الجراحة، التي لا يفكر قادة الجماعة فيها أصلا، ستودي بالفكرة "الإخوانية" تماما، بعد أن صارت هشة متداعية.

إن الانفتاح على العالم، وتدفق الأفكار والقيم والتصورات، وتزعزع الهويات المسكونة بالتعصب والجمود، يطوق الفكرة الإخوانية، وينفذ إلى قلبها ليفككها في نعومة وهدوء، يظن أغلب الإخوان أنه أمر يتم بفعل سلطة تعاديهم، أو نخبة مدنية تواجههم، لكنه في الحقيقة هو بفعل تغير الحال والمآل، وفق قانون الطبيعة وسنة الحياة التي تقول: "‘إنك لن تستطيع أن تنزل النهر مرتين لأنه المياه تتجدد باستمرار".
T+ T T-