الخميس 17 يناير 2019
موقع 24 الإخباري

"نوموفوبيا" وإشكاليات الواقع الافتراضي!

يدان مربوطتان إلى هاتف محمول (تعبيرية)
يدان مربوطتان إلى هاتف محمول (تعبيرية)
يُعد قاموس كامبريدج واحداً من أعرق قواميس اللغة الإنجليزية وأكثرها شهرة إلى جانب قاموس أوكسفورد. والرائع في هذين القاموسين بالذات هو درجة التحديث والتطوير المستمرين من خلال إضافة بعض المصطلحات والتعابير اللغوية سنوياً.

ثمّة متخيلات افتراضية يتمَّ اختلاقها في فضاءات الواقع الافتراضية بحيث يمكننا الحديث حتى عن "التاريخ الافتراضيّ" في مقابل تواريخ الوثائق المكتوبة والأرشيفات المدوّنة وحتّى التواريخ الشفهية للأمم والجماعات والشعوب!
و"كلمة العام" التي حظيت بأعلى نسبة تصويت في استطلاع أجرته كامبريدج هي كلمة "نوموفوبيا" Nomophobia، وتعني "الخوف أو القلق من فكرة غياب هاتف محمول، أو العجز عن استخدامه".

لقد كانت كلمة"نوموفوبيا" التي استُخدِمت لأول مرة في 2008، وفق صحيفة "ديلي ميل" البريطانية هي "كلمة العام بالفعل" متفوقةً بذلك على مصطلحات أخرى مثل" الفجوة بين الجنسين gender gap و"الإبادة البيئية" وغيرهما.

إن "نوموفوبيا" تعكس بالفعل ذلك الهلع والذعر الكوني من اختفاء وسائل التواصل الاجتماعي التي خلقت وأسّست واقعاً افتراضياً موازياً للواقع الحقيقي.

وفي رائعة دانييل ديفو "روبنسون كروزو" التي أُنتجت في مقتبل القرن الثامن عشر، كنا لا نزال أمام تلك المغامرات المدهشة التي تغري باكتشاف العالم وارتياده بحثاً عن الجديد والغريب والمدهش.

وكنا لانزال أمام "متخيل" يوتوبيا جديدة تغري بالبقاء في عزلة عن الآخرين! إن "نوموفوبيا" تحيل كذلك إلى زوال الغرابة المدهشة في هذا العالم الافتراضي، فبكبسة زر يأتيك العالم كله وتستحضره بين يديك، وتجول العالم كله وتلتقي بأناس كثيرين! وإذا كان ابن بطوطة يتعمد ألا يسير على درب طرقه مرة بحثاً عن الغرابة المدهشة المتجددة عنده، فإن وسائل التواصل الافتراضي قد أوصلت العالم إلى مرحلة من فقدان تلك الغرابة المدهشة، ومن ترسيخ التشابه في العالم كله! لقد انتبهت الدراسات الثقافية cultural studies إلى تلك "العولمة الثقافية المنمطة" التي قولبت العالم كله في تمثيلات متشابهة دون أي اختلافات تُذكر! وهكذا فإنّ"المولات= المجمعات التجارية الكبرى" في العالم، على سبيل المثال، أفرزت ظواهر ثقافية متشابهة في العالم! هي ثقافة "المولات التجارية"!

ومن ناحية أخرى فإن ثمة متخيلات افتراضية يتم اختلاقها في فضاءات الواقع الافتراضية بحيث يمكننا الحديث حتى عن "التاريخ الافتراضيّ" في مقابل تواريخ الوثائق المكتوبة، والأرشيفات المدونة وحتى التواريخ الشفهية للأمم والجماعات والشعوب! و"التاريخ الافتراضي" من أخطر أصناف التواريخ لأنّ كتابه الافتراضيين كثيرون وتأويلاتهم لانهائية! وفي كثير منها لاترتكز حتى على أسس البحث العلمي الرصينة! آلاف المواقع الافتراضية لمثل هذه التواريخ الافتراضية في العالم كله، وبلغات متعددة لأشخاص افتراضيين.

والخطورة في الأمر عندما لاترتكز هذه التواريخ على معرفة تاريخية حقيقية، ويتلقاها متلقون على درجة قليلة من الثقافة ويرسخونها في أذهانهم. إن واجبنا الوطني هو التسلح بالمعرفة التاريخية من مصادرها الحقيقية للرد على مثل هذه المواقع المشبوهة الافتراضية.

وأُشيد هنا بالمواقع الثقافية التاريخية الإماراتية الافتراضية الموثقة بالمصادر والوثائق الأصيلة التي تعكس تاريخ دولة أسست بناءً حقيقياً لدولة قامت على نهج الزعيم الكارزمي المغفور له بإذنه تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، دولة تُعد الأنموذج العربي الاتحادي الوحيد الذي بقى وسيظل شامخاً بإذنه تعالى، دولة رسخت قيم التسامح والتنوع الثقافي الخلاق في أجمل معانيه.



T+ T T-