الثلاثاء 22 يناير 2019
موقع 24 الإخباري

شتائم تايم

رجل غاضب.(أرشيف)
رجل غاضب.(أرشيف)


الشتائم الحادة، العنيفة، القبيحة، كانت تكاد تكون حكراً على الرجال، بينما فُرض على النساء اللجوء إلى شتائم "مخففة" ومنقحة، حتى أنها لم تُعد تُصنّف كشتائم أصلاً، ولن تُقابل بأكثر من التبسّم في عصرنا الراهن
يبدو أن الكاتب الأميركي مارك توين لم يكن يهرف بما لا يعرف حينما كتب: "في بعض الحالات، فإن البذاءة توفّر أريحية أكثر مما يوفرها الدعاء"، فقد أثبت علماء النفس في جامعة كيل البريطانية أن الشتم والسباب يلعبان دوراً إيجابياً في رفع مقدرة الناس على تحمل الأوجاع، وإن كانوا لا يجدون التفسير الكامل بعد لهذه الظاهرة قليلة الأدب.

ولكن –قاتل الله حظنا الـ***- فنحن ممنوعات حتى من تعاطي هذا المسكّن المجاني، ويتحتم علينا ستره تحت سلسلة من الرموز.

شخصياً، قد لا أكون في طليعة المعجبين بالشتائم، لا سيما في مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تطاردنا لحظات انفلات أعصابنا لما تبقى من أعمارنا. ولكن من المخيف حقاً أنه حتى هذه "الفرقعة الصوتية" الخالية من الضرر الفعلي على أي طرف قد مُنعت عن المرأة.

ولغرض لا يقل خبثاً وشراً عن كل ما اقترفته الذكورية في حقها.

لقد تبحّرت باربرا لوماستر، وهي متخصصة في الأنثروبولوجيا اللغوية في جامعة ولاية كاليفورنيا، في أنماط الحديث لدى الرجال والنساء الأمريكيين قبل قرن من الزمن، أي قبل أن تقوى شوكة الحركات النسوية. ولم يكن من المفاجئ أنّ لوماستر وجدت ما وصفتها –دون أدنى مبالغة- بـ "اللغة الخاصة بالنساء".

تقول الباحثة إن الشتائم الحادة، العنيفة، القبيحة، كانت تكاد تكون حكراً على الرجال، بينما فُرض على النساء اللجوء إلى شتائم "مخففة" ومنقحة، حتى أنها لم تُعد تُصنّف كشتائم أصلاً، ولن تُقابل بأكثر من التبسّم في عصرنا الراهن.

والأمر أكبر بكثير من مجرد قناعة سطحية بأن الشتائم تجرّد المرأة من أنوثتها، أياً ما كان يعني ذلك.

إن النساء مُنعن من الشتم خصيصاً لتُخلق في المجتمعات "لغتان" منفصلتان؛ واحدة للرجال المخوّل لهم مواجهة العالم بكل شروره وصراعاته، أي لغة للشارع والحياة الطبيعية.

ولغة أخرى للنساء. فمن خلال وضع القيود على كلماتهن، بقيت النساء حبيسات "حرملك" وهمي من الكياسة واللطافة والحياء، حتى في مواجهة الظلم والجبروت والطغيان، حتى صار الإذعان والوداعة ملازمين لهن.

فحينما تطحننا العادات والتقاليد البالية، والقوانين الذكورية، والفهم السائد للدين، وتخرج الشتائم الفظة من أفواهنا وأقلامنا ولوحات مفاتيحنا، لا ينتفض الرجل مستنكراً ومستهجناً إلا لأننا نتعدى حدودنا التاريخية، ونشاركه لغته الخاصة المحرّمة علينا. فلا يخدعنكن من يتقمص دور "شرطي الآداب" لمنع النساء –والنسويات خصيصاً- من استخدام الألفاظ البذيئة، ويزعم محاولة إنقاذ أخلاق المجتمع من الانحدار.

ولن أختم سوى باقتباس من مقالة الرائعة منى الطحاوي، والتي تبدأ كل محاضراتها النسوية قائلة: "تباً للذكورية". بالطبع، تعترف الطحاوي بأنها تستطيع دائماً أن تستبدل تلك الكلمة البذيئة، لتقول –مثلاً- "تسقط للذكورية".

"ولكني لا أفعل"، تقول الطحاوي: "لأني امرأة، امرأة ذات أصول شرق أوسطية، وامرأة مسلمة، وليس من المفترض بي قول تباً".
تباً للذكورية. ولست آسفة.



T+ T T-