الثلاثاء 23 أبريل 2019
موقع 24 الإخباري

من كنيسة القديس بطرس إلى مسجد الشيخ زايد

مسجد الشيخ زايد (أرشيف)
مسجد الشيخ زايد (أرشيف)


في أحد أيام عام التسامح، تشهد دولة الإمارات أول زيارة تاريخية لقداسة البابا لمنطقة شبه الجزيرة العربية، مهد الإسلام والسلام، واليوم تتجدد رسالة التعايش والتسامح قادمة من كنيسة القديس بطرس لتحل في رحاب مسجد الشيخ زايد.
تخيل أن البشر بمختلف أديانهم يعيشون في قرية صغيرة لا يتجاوز عدد سكانها المئة شخص، سيكون منهم 34 مسيحياً، 23 مسلماً، 13 هندوسياً، 7 بوذيين، 11 من أديان أخرى صغيرة، 12 بلا ديانة محددة.

في هذه القرية الصغيرة، لا يستطيع أحد منهم تجنب الآخر، فالمسيحي سيشتري من دُكّان المسلم، والبوذي سيدرس عند اليهودي، والمسلم سيسافر باستخدام عربة الهندوسي، لن يكون في هذا الجو التكاملي مكان لمتشدد يريد فرض رؤاه الضيقة على الآخر، فلقد ولّى زمن الحروب المُهيمنة والغارات الحانقة، وتبدلت قاعدة الفيلسوف الألماني "إيمانويل كانت" التي تقول (إن السلام ليس وضعاً طبيعياً، بل يجب أن يُكتسب)، فاليوم صار السلام هو الوضع الطبيعي و"اللاسلام" هو الطارئ على الأوضاع الطبيعية.

تُقدم الأنظمة الدينية وظائف سيكولوجية واجتماعية من خلال زرع الفضائل الأخلاقية في أذهان الأفراد، فالمواثيق والقوانين الأخلاقية العالمية في الدول المتحضرة؛ وضعها أفراد مؤمنون بأديان سماوية، وغير سماوية، لم تمنعهم من التطور الأخلاقي السامي، بل كانت تعاليم دينهم محفزاً لهم. جاء في الآثار أن الله خلق الإنسان على صورته، واليوم يمكننا اعتبار نظرة الإنسان لخالقه ومخلوقاته انعكاساً لبيئته، فإذا كانت البيئة الاجتماعية ضيقة فإنها ستنتج تصورا قمعياً للإله، أما إذا كانت هذه البيئة متسامحة فإنها ستنتج تصوراً شفافاً رحيماً للإله، كما يقول "بول كيرتز" في كتابه (الفاكهة المحرمة: أخلاقيات الإنسانية).

يقول هوبرتس هوفمان في كتابه (قانون التسامح)، إن أغلب ضحايا التطرف في الإسلام هم من المسلمين أنفسهم الذين قُتلوا بنصوص القرآن والسنة التي يؤمنون بها، وبأعمالهم الإرهابية حول العالم شوهوا صورة الإسلام، من يجتزئ آيات القرآن لن يتمكن من الاطلاع على الجمال الحقيقي لهذا الكتاب.

القرآن -كما يقول هوفمان- يتحدث عن جزاء الجنة والنار في الآخرة ولم يتحدث عن بناء دولة كهنوتية على الأرض، لم يقتل النبي محمد يهودياً أو نصرانياً بسبب كون إيمانه مختلفاً عنه، لم يقتل إلا من باب الدفاع عن النفس، ولم يقتل إلا المهاجمين، وكان اسم دينه مشتقاً من السلام، وكانت تحيته السلام.

اقتبس المسلمون العديد من عادات وملابس وهيئات الشعوب الفارسية والرومية، واقتبسوا بنود الاتفاقيات وعهود الأمان السابقة لدولتهم كما تقول "ميلكا روبن" في كتابها (أهل الذمة في صدر الإسلام)، وتزوجوا من تلك الشعوب، وسمحوا لهم بممارسة شعائرهم وبناء معابدهم وكنائسهم، في وقت كان هذا الإذن خلافاً للسائد في قواعد الحرب والسيطرة.

كان التسامح في التاريخ الإسلامي ميزة تفاوت أوجها تبعاً لإرادة الدولة ومسار الظروف الاجتماعية في المجتمع. في دمشق التاريخية؛ حوّل المسيحيون هيكلاً رومانياً إلى كنيسة بيزنطية، فلما دخل المسلمون دمشق، بنوا مسجداً في الجانب الشرقي من الكنيسة بات يعرف اليوم باسم المسجد الأموي، كان المسيحيون والمسلمون يدخلون من الباب الجنوبي معاً ثم يتفرقون من هناك للصلاة كلٌ في معبده. هذه الصورة تستحضر لنا مشهد صلاة مسيحيي نجران داخل المسجد النبوي بإذن مباشر من الرسول عليه الصلاة والسلام، حيث كانوا يحملون صلبانهم وهم مطمئنون إلى أخلاق وسعة صدر مُضيفهم.

في أحد أيام عام التسامح، تشهد دولة الإمارات أول زيارة تاريخية لقداسة البابا لمنطقة شبه الجزيرة العربية، مهد الإسلام والسلام، واليوم تتجدد رسالة التعايش والتسامح قادمة من كنيسة القديس بطرس لتحل في رحاب مسجد الشيخ زايد.
T+ T T-