السبت 23 فبراير 2019
موقع 24 الإخباري

إيران في 2019.. مزيد من الاحتجاجات والقمع

مظاهرات العام الماضي في إيران (أرشيف)
مظاهرات العام الماضي في إيران (أرشيف)
عندما ذهب سينا غنبري إلى شوارع طهران خلال مظاهرات في أنحاء البلاد في بداية 2018، كان يتحدث ضد الفساد، والاقتصاد المتباطئ، وارتفاع أسعار الوقود والغذاء.

وتم اعتقاله خلال الاحتجاجات، وبعد احتجازه في جناح الحجر الصحي في سجن إيفين بطهران لمدة 5 أيام، توفي في عيد ميلاده الـ 22.

وأخبرت سلطات السجن والدته فاطمة ملايان نجاد أن ابنها قد أخذ حياته، وقالت لصحيفة "سي إن إن" الأمريكية: "اتصل بي ابني من السجن، قال لي إنهم ضربوه، إنها كذبة كبيرة أنه انتحر، وأنا لن أرتاح حتى تظهر الحقيقة"، مشيرة إلى أن ابنها قد قتل.

ووفقاً لتقرير أصدرته منظمة العفو الدولية في 24 يناير(كانون الثاني) الماضي، يعتبر غنبري واحداً من أصل 9 متظاهرين ماتوا في "ظروف مريبة" بعد أن احتجزتهم السلطات الإيرانية في 2018.



وأشارت المنظمة إلى أن 26 متظاهراً على الأقل لقوا حتفهم في الشوارع، وتم اعتقال أكثر من 7000 من منشق النظام طوال العام، منهم 11 محامياً و50 من الإعلاميين و91 طالب بشكل تعسفي، ولم ترد الحكومة الإيرانية على طلب للتعليق.

ولا تظهر حركات الاحتجاج في إيران أي علامات على التراجع، فمع تصاعد قوات الأمن من قمعهم، استمر المنشقون في تنظيم المظاهرات، ويقول الخبراء إن "قمع النظام الإيراني للمظاهرات ربما شجع الناشطين المعارضين بدلاً من قمعهم".

وقال الباحث في منظمة العفو الدولية في إيران، منصور ميلز: "يشعر المحتجون بأنهم ليس لديهم ما يخسرونه، ففي العام الماضي، رأينا الآلاف من العمال في جميع أنحاء البلاد في كرب لأنهم لم يتلقوا رواتبهم منذ شهور ويكافحون لإطعام عائلاتهم".

وأضاف "عليك فقط مشاهدة مقاطع فيديو لهذه الاحتجاجات على وسائل التواصل الاجتماعي والاستماع إلى العمال الذين ينادون بالقول (إننا لا نخاف من السجن لأننا لا نملك ما نخسره أكثر)، لفهم مدى جرأتهم".

موجة احتجاجات 2018
وكانت الاحتجاجات الاقتصادية في ديسمبر(كانون الأول) 2017 ويناير(كانون الثاني) 2018، أكبر عرض للسخط العام في إيران منذ الحركة الخضراء لعام 2009، عندما خرج الملايين إلى الشوارع للتظاهر ضد تزوير الانتخابات المزعوم.

ولكن في حين أن الحركة الخضراء جذبت أعداداً أكبر بكثير، فقد فاجأ النطاق الجغرافي لمظاهرات 2017 و2018 السلطات، حيث كان المتظاهرون إلى حد كبير من خارج العاصمة.

واجتمعوا في المدن الرئيسية في شمال شرق البلاد، مثل المعقل المحافظ لمدينة مشهد وفي المحافظات، وهم أيضاً إلى حد كبير من الطبقة العاملة في البلاد، إذ كان كل من الديموغرافيات تعتبر منذ زمن طويل من القطع المركزية في القاعدة الشعبية للنظام.

وبدوره، قال المحرر الإيراني في موقع "المونيتور"، محمد علي شعباني: "ما كان جديراً بالملاحظة هو انتشارها الجغرافي، ومن الجدير بالملاحظة عدم دعم النخبة بما يتجاوز التصريحات العامة للتعاطف مع مطالب مثل المزيد من الوظائف وانخفاض أسعار المستهلك، لم يكن هناك معسكر سياسي كبير مع المتظاهرين".



وعلى الرغم من رد النظام العنيف على المظاهرات الأولية لعامي 2017 و2018، استمر الأفراد والمجموعات المنسقة في المطالبة علناً بالإصلاحات السياسية والاجتماعية طوال 2018.

ومع تفاقم الأزمة الاقتصادية الإيرانية، تم تنظيم مظاهرات سلمية خلال يوليو(تموز) وأغسطس(آب) الماضيين فرقتها السلطات باستخدام الذخيرة الحية والغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه، وفقاً لمنظمة العفو.

وكما نظم المدرسون في طهران احتجاجات في أكتوبر(تشرين الأول) ونوفمبر(تشرين الثاني) الماضيين، أسفرت عن اعتقال 23 شخصاً وصدور 8 أحكام بالسجن، وبحلول نهاية العام، كانت السلطات قد استجوبت 467 عاملاً، بمن فيهم سائقو الشاحنات وعمال المصانع والمعلمين، مستعينة بجميع أنواع التعذيب والضرب وسوء المعاملة بحق المعتقلين.

وذكرت الباحثة في منظمة العفو الدولية في إيران، رحا بهريني، أن "الحملة (في إشارة إلى المظاهرات)، هي أسوأ ما شهدناه على مدى العقد الماضي".

شجاعة نسائية
ولربما الحركة الاجتماعية الأبرز للحصول على الزخم خلال 2018، كانت الاحتجاجات ضد قانون الحجاب الإلزامي الإيراني، ففي 27 ديسمبر(كانون الأول) 2017، قفزت فيدا موفيهي، الأم الإيرانية البالغة من العمر 31 عاماً، فوق صندوق المرافق في أحد أكثر الشوارع ازدحاماً في طهران ولوحت بصمت بحجاب أبيض على عصا.

وخلال وقوفها كشفت عن شعرها الطويل، وتم اعتقالها بعد بضع ساعات، لكن صورة عن عملها الانفرادي انتشرت بسرعة، وساهمت صورتها في إثارة حملة مناهضة لقانون فرض الحجاب على الإيرانيات على مواقع التواصل الاجتماعي بعنوان "الأربعاء الأبيض"، للناشطة الإيرانية مسيح علي نجاد، وتشجع الحركة الناس على الاحتجاج على قانون الحجاب الإلزامي من خلال ارتداء الأبيض يوم الأربعاء أو الخروج من غير ارتداءه.



ومن خلال الحملة، تلقت نجاد صوراً وأشرطة فيديو لمتضمانين شاركتها على حساباتها في وسائل التواصل الاجتماعي، التي باتت تضم ما يزيد عن 2.3 مليون مشترك، وفي غضون أسابيع من تصرف الأم موفيهي، كانت النساء في جميع أنحاء البلاد يصورن أنفسهن في الشوارع المزدحمة في عرض للتضامن، وبحلول نهاية 2018، تم اعتقال 112 من النشطاء على الأقل.

وعلى الرغم من الاعتقالات، تستمر حركة "الأربعاء الأبيض" إلى اليوم ولا تظهر أي إشارات على الانكفاء، وكما اعتقلت شارباك شارجيزاده (43 عاماً)، وهي عضو نشط في الحركة، 3 مرات في 2018 قبل أن تلوذ بالفرار في نهاية المطاف إلى تركيا، ثم طلبها اللجوء في كندا.

وتم اعتقالها لأول مرة في 21 فبراير(شباط) الماضي لمشاركتها شريط فيديو لها على الإنترنت يعكس مظاهرة موفيهي، وقالت "تعرضت للضرب في مكتب الأخلاق والأمن، ثم تم إرسالي إلى الحبس الانفرادي، وأضربت حينها عن الطعام لمدة أسبوع، وبعدها أفرج عني"، مضيفة "بعد ذلك تلقيت تهديدات هاتفية، طلبوا مني فيها التوقف عن نشر الصور على الإنترنت وأمروني بالتحدث عن قوانين الحجاب الإلزامية".

وذكرت المحامية البارزة في مجال حقوق الإنسان ومدافعة عن حقوق المرأة في إيران، نسرين سوتوده، أن السلطات احتجزت بصورة غير قانونية شارجيزاده مرة أخرى بصورة غير قانونية في مارس(آذار) ومايو(أيار) الماضيين، مبينة أنها تعرضت للتعذيب والتهديد وألقي بها في سجن إيفين.



وأضافت شارجيزاده "لقد اتهمت بالفساد والبغاء لنشر الصور بدون حجاب عبر الإنترنت، لقد طلبوا مني التخلي عن محاميتي سوتوده، وهددوني بتوجيه تهم تتعلق بالأمن القومي إذا لم أنفذ أوامرهم"، وحُكم عليها بالسجن لمدة 20 سنة، وكما ألقي القبض على سوتوده في 13 يونيو(حزيران) 2018، بتهمة الدفاع عن العديد من المتظاهرين المناهضين للحجاب، وهي تواجه تهماً متعلقة بالأمن القومي، وقد يحكم عليها بالسجن لأكثر من 10 سنوات.

ووفقاً لمركز حقوق الإنسان في إيران، رفضت عائلتها القيام بزيارات، وفي 23 يناير(كانون الثاني) الماضي، اعتُقل زوج سوتوده، رضا خاندان، وهو أيضاً محام بارز في مجال حقوق الإنسان، وحُكم عليه بالسجن لمدة 6 سنوات بتهم تتعلق بالأمن، وكلاهما يستأنفان الآن تهمهما.

نوايا الولايات المتحدة
وطوال 2018، قام كبار المسؤولين في الإدارة الأمريكية بمن فيهم الرئيس دونالد ترامب ووزير الخارجية مايك بومبيو، بمحاذاة أنفسهم للمتظاهرين الإيرانيين من أجل المزيد من عزل النظام.

وأثناء موجة المظاهرات في يناير(كانون الثاني) الماضي، قال ترامب: إن "الشعب الإيراني يتصرف في النهاية ضد النظام الإيراني الوحشي والفاسد"، محذراً بعد ذلك من أن الولايات المتحدة تراقب عن كثب قبل أن تعلن "لقد حان الوقت للتغيير".

وبدوره، أولى بومبيو اهتماماً شخصياً بالمظاهرات المناهضة للحجاب ، ففي مناسبتين على الأقل في عام 2018، قام بالتغريد على تظاهرات فيدا موفيهي، وفي يونيو(حزيران) الماضي، نشر رسماً لها إلى جانب صورة المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي، معلقاً "يستحق الشعب الإيراني احترام حقوقه الإنسانية".



وكما قامت وزارة الخارجية بنشر عدة تغريدات ورسائل دعماً لحقوق المرأة في إيران، وكلها مكتوبة بالفارسية، وفي خطاب ألقاه في مؤسسة هيريتيغ في مايو(أيار) 2018، عرض بومبيو كيف تخطط الولايات المتحدة للمضي قدماً مع إيران بعد الانسحاب من الاتفاقية النووية لعام 2015.

وقال أمام جمهور واشنطن: "من الحق الشعب الإيراني اختيار قادته ونظامه، وكل ما كان ذلك سريعاً كان فعالاً، ونحن سنبقى مراقبين للوضع حتى نحقق المساعي التي يطمح لها الشعب".

وأدى التأثير التراكمي لهذه الإجراءات إلى اتهام الرئيس الإيراني حسن روحاني للإدارة الأمريكية بالتحريض الصريح على تغيير النظام، وقال في خطاب بثه التلفزيون الإيراني الرسمي في أكتوبر(تشرين الأول) الماضي: إن "الحد من شرعية النظام هو هدفهم النهائي".

توقعات 2019
وعلى الرغم من أن المزيد من الإيرانيين يبثون بشكل علني مظالمهم الاجتماعية والاقتصادية، فإن غياب المعارضة السياسية المنظمة داخل إيران ترك المحللين واثقين من أن الحركات الاحتجاجية لا تشكل تهديداً خطيراً للنظام.

وقالت الباحثة بهريني "يمكننا أن نتوقع المزيد من الاحتجاجات في الأشهر المقبلة مع تدهور الوضع الاقتصادي، ولكن من الصعب التنبؤ بالمكان الذي قد يقودونه بسبب الافتقار إلى التنظيم، وصياغة مطالب واضحة ومحددة ، ونخبة في الشراء". 

وأعرب السفير الأمريكي جون ليمبرت، الذي كان محتجزاً خلال أزمة الرهائن عام 1979، وعمل نائباً مساعداً لوزير الخارجية في إيران عام 2009، عن ثقتة من أن النظام سوف يسود.



وقال: "في الجمهورية الإسلامية، تشعر السلطات دائماً بالتهديد، سيفعلون ما يتعين عليهم القيام به للبقاء في السلطة، فإذا كان ذلك يتطلب وحشية، فليكن، وإذا كان ذلك يعني المرونة، فإنهم سيحاولون ذلك"، وأضاف "قام نفس نادي الرجال بإدارة الأمور منذ 1979، وعلى الرغم من أن السن يلحق بهم، إلا أنهم سيصمدون لأطول فترة ممكنة، ومن الواضح أنهم غالباً لا يعرفون شيئاً عن واقع مجتمعهم ، حيث يكون الناس مبدعين، مشاركين ومتعلمين جيداً".

وفي 29 يناير(كانون الثاني) الماضي، أصدر مدير المخابرات القومية الأمريكية دان كوتس تقييماً لمستوى التهديد العالمي في عام 2019، وجاء فيه "نقيم أن طهران مستعدة لاتخاذ إجراءات أمنية أكثر جرأة رداً على الاضطرابات المتجددة، وكما يبدو أن النظام يحفر في أعقابه في عام 2019، وكذلك بعض المتظاهرين".

وأشار أحد المشاركين في احتجاجات ومظاهرات 2017 و2018، دعماً لحركة "الأربعاء الأبيض"، الذي رفض نشر اسمه لدواع أمنية، أنه على الرغم من تعرضه للضرب والتهديد بإلقاء في السجن، فإنه لا ينوي الصمت في عام 2019، وأضاف "سأواصل الاحتجاج حتى إزالة قانون الحجاب الإلزامي، وحتى تكون هناك حرية للشعب الإيراني من هذا النظام الديني الاستبدادي".

وتكررت توقعات منظمة العفو الدولية للعام المقبل، حيث قال الباحث بهريني: إن "إيران في قبضة أزمة لم يسبق لها مثيل، متجذرة في التقاء المشاكل السياسية والاقتصادية والبيئية وحقوق الإنسان"، وأضاف "لذلك يمكننا أن نتوقع أن تنمو الاحتجاجات ضد الفقر والتضخم والفساد والاستبداد السياسي في البلاد".
T+ T T-