الجمعة 24 مايو 2019
موقع 24 الإخباري

إعادة تدوير الانتقام

متظاهرون مؤيدون لحماس  في غزة (أرشيف)
متظاهرون مؤيدون لحماس في غزة (أرشيف)


أفسدت هذه الجماعة بحساباتها الصغيرة ونفيها للآخر، وعجزها عن قبول أي افكار خارج "أدبياتها" وروح الانتقام التي تقود مخيلتها وتتحول إلى برنامج سياسي، أفسدت الراهن بنفس الطريقة التي أفسدت فيها رواية الماضي
تبدو مستبعدة فكرة أن جماعة "الإخوان" قد نسقت حملتها ضد محمود عباس، الرئيس الحالي لمنظمة التحرير الفلسطينية، بحيث تترافق مع ذكرى ميلاد أحمد الشقيري، مؤسس المنظمة في أواسط ستينيات القرن الماضي، والتي كانت غزة منصة إعلانها حين سارت، مظاهرات حاشدة في شوارع مدن القطاع احتفالاً بتأسيس الإطار السياسي للفلسطينيين الذي سيقود نضالهم عبر السبعينيات وصولاً الى الآن، هم بالتأكيد آباء وأجداد "المتظاهرين الجدد" الذين جندتهم وحشدتهم حماس، بعد أن وزعت عليهم أعلاماً ورايات ولافتات بأحجام مختلفة وصوراً لـ"عباس" بأعداد كبيرة ملفتة، وبعد أن استعارت، في عملية احتيال مثيرة للشفقة، شعار "ارحل".

لم تكن جماعة الإخوان راضيةً عن ذلك الإطار، منظمة التحرير، ولا عن تأسيسه ولا عن الرجل الذي كُلف بالمهمة، كان الأمر أقرب لكابوس بالنسبة للجماعة، خاصةً وأن الرافعة التي كانت تقف وراء كل هذا التحرك هو جمال عبد الناصر، الضابط الذي "سرق" ثورة يوليو(تموز) من جيوب الإخوان، حسب الرواية التي تواصل قناة الجزيرة القطرية تأثيثها، برعاية القرضاوي، وتنفيذ أحمد منصور.

فيما بعد ستظهر رواية أخرى حول "كيف سرق ياسر عرفات الثورة الفلسطينية من مخيلة الإخوان"، وسيساهم نفس الأشخاص في إعادة حبكها عبر نفس الفضائية.

هذا "السرد" الذي يقترح تاريخاً جديداً ووقائع جديدة وأبطالاً جدداً، والذي ينقل مواقع الشخوص في عملية هدم مدروسة ومحمولة على وسائط إعلامية حديثة وشعارات بلاغية كثيفة، من نوع "المقاومة" وإسناد دعوي ديني، شكل عملية تشكيك طويلة بتاريخ المنطقة والناس، كان الأرضية التي زحفت فوقها الجماعة وتسللت نحو حركة الشارع بعد أن تخلت عن تحالفها الطويل مع النخب الحاكمة، والقناع الذي عبره تمكنت من سرقة ثورات شعوب المنطقة، وأحلامها بالديمقراطية، والحكم المدني، ومجتمع المواطنة، من فلسطين إلى تونس، إلى اليمن، مروراً بمصر، وسوريا وصولاً إلى ليبيا، وتبديدها في تحالفات طائفية ضيقة الأفق، وثقافة الحكم المطلق القادمة من ماضي هذه الجماعة وروايتها المظلمة لماضي المنطقة، وتاريخها.

هل تكفي مسيرات حماس الجديدة التي طافت شوارع غزة للذهاب نحو تاريخ "الإخوان" منذ تأسيس الجماعة المنصب على العداء لكل فكرة معاصرة قد تنشأ في المنطقة؟

الأفكار العظيمة التي شكلت محطات طاقة لحركة الإقليم الحديث، منذ بواكير "النهضة" وأفكار الإسلام المتنور الذي قاده الأفغاني، ومحمد عبدو إلى ثورة يوليو، وتأسيس منظمة التحرير الفلسطينية، والآن "الربيع العربي".

لقد أفسدت هذه الجماعة بحساباتها الصغيرة ونفيها للآخر، وعجزها عن قبول أي أفكار خارج "أدبياتها" وروح الانتقام التي تقود مخيلتها، وتتحول إلى برنامج سياسي، أفسدت الراهن بنفس الطريقة التي أفسدت فيها رواية الماضي.

مسيرات غزة هي فرصة لاستعادة موقف "الجماعة" من التاريخ الوطني الفلسطيني، حيث لم تتوقف حماس عن إعادة انتاج وتدوير عدائها لمنظمة التحرير الفلسطينية وتاريخها ومسيرتها الطويلة منذ ستينيات القرن الماضي، وحمولاتها وجدلها وإنجازاتها والأخطاء التي حدثت في المنعطفات التي أوهنت جسدها.

تجهد قيادة "الإخوان المسلمين" التي "كفّرت" الكفاح المسلح حين كان الممر الرئيسي لفرض حضور الشعب الفلسطيني على الواجهة السياسية في العالم، البرنامج الذي حمل القضية الفلسطينية، والشعب الفلسطيني من موضوع إنساني متعلق بتوفير المعونات المعيشية إلى الصفوف الأولى بين الثورات المعاصرة، والأولوية على أجندة العالم، حماس نفسها التي أعادت غزة إلى قضية غذاء، ودواء، ومساعدات إنسانية، تواصل ذلك العداء بدأب ينبع من رغبتها في الحياة، بحيث يكاد يشكل، العداء، نظامها الداخلي وسبب حياتها.

T+ T T-