الجمعة 24 مايو 2019
موقع 24 الإخباري

الذين يتغطون باللحاف الأمريكي

مقاتلون أكراد في سوريا.(أرشيف)
مقاتلون أكراد في سوريا.(أرشيف)


لم يتعلم هؤلاء من درسين سابقين في أفغانستان والبوسنة حين تم الدفع بهم في أتون الحرب في ساحات مفتوحة للموت، وتم القفز عنهم في مشارع التسويات للصراع الذي كان محتدماً في البلدين
إنهم لا يتعلمون.. هذا ما تؤكده تجارب القوى والحركات التي تستقوي بالولايات المتحدة لتحقيق أجنداتها السياسية والميدانية.

في سوريا، مثلما في العراق، راهن الأكراد والإسلامويون على الدعم الأمريكي حين تقاطعت مصالحهم مع المصالح الأمريكية في المنطقة، واعتقدوا أن واشنطن ستوفر حضانة دائمة لحركاتهم وبرامجها الساعية إلى تقسيم البلاد وإقامة نظم جديدة تستظل بالرعاية الأمريكية الأبدية. لكنهم سرعان ما اكتشفوا خيبة هذا الرهان حين أشاحت واشنطن عنهم بعد أن انتهت أدوارهم، ولم يحظ إقليم كردستان بدعم أمريكي كاف لإعلان دولة مستقلة في الشمال العراقي، كما فوجئ أكراد سوريا المدعومين أمريكياً بتركهم مكشوفين في العراء أمام الاستهداف التركي حين قرر دونالد ترامب الانسحاب من سوريا، وقبل أن تتم إعادة صياغة الوجود الأمريكي على الأرض السورية، ما أدى إلى مجاهرتهم بطلب اللقاء مع النظام الذي عادوه عقوداً طويلة.

وفي الغرب العراقي كان القاعديون ومن ثم الدواعش يحظون بالدعم والحماية الأمريكية طيلة سنوات الدم والبارود التي انتهت بإزهاق أرواح مئات الآلاف من العراقيين، وما أن انتهى دور هؤلاء حتى تحولت الولايات المتحدة من قوة راعية وداعمة لنشاطهم إلى قوة تطاردهم وتحرض على القضاء عليهم، وكذلك الأمر في سوريا التي تمكن الدواعش من السيطرة على ثلثيها بدعم أمريكا ووكلائها في الإقليم، ودفعهم الولاء لواشنطن إلى التقارب مع إسرائيل بل والتنسيق معها، لكنهم ما لبثوا أن واجهوا الحقيقة المرة في لحظة الحسم حين شعرت واشنطن بأن دورهم انتهى وبأنه ينبغي محوهم عن خريطة الصراع فتراجعوا وحوصروا حتى استقر من بقي منهم في البلاد في جيب ضيق وصغير قد يتحول إلى مقبرة جماعية تضم رفاتهم وجثة مشروعهم التخريبي في أرض الشام.

لم يتعلم هؤلاء من درسين سابقين في أفغانستان والبوسنة حين تم الدفع بهم في أتون الحرب في ساحات مفتوحة للموت، وتم القفز عنهم في مشارع التسويات للصراع الذي كان محتدماً في البلدين.

بعد أفغانستان عاد "مجاهدو أمريكا" الذين كنا نسميهم "الأفغان العرب" إلى بلادهم، ثم شدوا رحالهم إلى البوسنة التي شاركوا في تحقيق انفصالها لكنها كافأتهم بطردهم من أرضها، فعادوا مرة أخرى إلى البلاد التي انطلقوا منها للمرة الثالثة "ليجاهدوا" في العراق وسوريا... ليموتوا هناك أو يعيش بعضهم في الأسر أو المطاردة أو تحاصرهم الشبهات.

رغم كل ما جرى يواصل هؤلاء الرهان على أمريكا وعلى حمايتها لوجودهم الآثم، ويستمر أمراؤهم في التبشير بزمن قادم يكون لهم فيه نصر مبين دون أن يحددوا هوية هذا النصر وعلى من سينتصرون!

كان عبد الله عزام أباهم الروحي، وهو الذي تربى على العقيدة الإخوانية قبل أن يتجاوز الإخوان في رؤيته للحسم بحد السيف، وقد انطلق إلى باكستان ليؤسس مجموعاته "الجهادية" الأولى التي رأت في اليسار عدوا صريحا، واعتبرت الإسرائيليين أهل ذمة! لذا قاتل "الجهاديون" ضد الروس والصرب ثم العراقيين والسوريين والمصريين، لكنهم لم يطلقوا رصاصة واحدة على إسرائيل التي يتعالج جرحاهم في مستشفياتها، ولم يشهروا سيوفهم الصدئة في وجه المحتل الغريب لأرض عربية مقدسة.

هم لا يتعلمون، وما زال الكثيرون منهم يصدقون شيوخ الظلام ووعودهم الكاذبة بصكوك الغفران التي تفتح لهم أبواب الجنة.
سيطل هؤلاء يراهنون على أمريكا ويتغطون بها في كل الفصول، وسيكتشفون في شتاء قارص أن الذي يتغطى باللحاف الأمريكي يموت بردا.
T+ T T-