الجمعة 24 مايو 2019
موقع 24 الإخباري

الشيخ عبد الله بن زايد.. وتحدي القراءة

الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان (24)
الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان (24)


الأهم في قائمة الكتب التي نقرأها على الإطلاق، هو ذلك الكتاب الذي يُحدث فينا هزة وجودية ويغيرنا بالكلية في ثورة فكرية على حياتنا وطريقة تفكيرنا ونظرتنا للأمور
في بادرة هادفة، أعلن الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان وزير خارجية دولة الإمارات العربية المتحدة، عن تحدي القراءة عبر صفحته في تويتر، بحيث اختار وسيختار شخصاً في كل يوم لمدة سبعة أيام، ومن يقبل بالتحدي فعليه أن ينشر صور سبعة أغلفة كتب من مكتبته، ينصح بقراءتها، دون ذكر للأسباب أو تقييم لتلك الكتب. هذه دعوة لمشاركة تجاربنا مع القراءة عبر السنين، لكن الكتب ليست سواسية، فهناك كتاب نقرأه للتسلية كالقصص البوليسية، وهناك كتاب نقرأه للفائدة ككتب الفيزياء، وقد نقرأ عن مدارس فكرية ومناهج نقدية لا نتفق معها، لمجرد أننا لا نريد أن نكون جاهلين بها، كأن تقرأ عن فلسفة الوضعية المنطقية في مرحلة تكون أنت فيها ميتافيزيقياً بامتياز.

الأهم في قائمة الكتب التي نقرأها على الإطلاق، هو ذلك الكتاب الذي يُحدث فينا هزة وجودية ويغيرنا بالكلية في ثورة فكرية على حياتنا وطريقة تفكيرنا ونظرتنا للأمور، ولعل هذا النوع، هو مقصود الشيخ عبد الله بن زايد. الهدف ليس أن نكرر أسماء الكتب المشهورة التي قرأها كل أحد، إذ لا فائدة تذكر في هذا. إنما الهدف هو أن نجمع في مكان واحد، أسماء الكتب التي كان لها أعظم التأثير في حياة المثقفين ومحبي القراءة، ومشاركة هذا مع الآخرين. مشاركة تجربة القراءة مفيدة للغاية، فقد تكون أنت "دودة كتب" متنوع القراءة موسوعي الاطلاع، ثم تفاجأ بصديق يذكر لك عنواناً لكتاب أثر به كثيراً وأنت لم تسمع به من قبل. وعندما تقرأه تصفق أخماساً في أسداس، وتتعجب كيف غاب عنك هذا الكتاب في كل السنين الماضية، لا لأنه كان مسليّاً، ولا لأنه قدّم لك معلومات جديدة لم تكن تعرفها، وإنما لأنه قد قدّم حلولاً جذرية لمشكلات حقيقية كنت تواجهها. هذا فيما يتعلق بالبُعد الشخصي.

في رأيي، أننا إن أردنا أن نذكر الكتب التي أثّرت في الثقافة العربية عموماً، فمن الضروري أن نذكر ضمنها، المساجلات الكبيرة التي وقعت بين المرحوم د. محمد عابد الجابري والمرحوم د. جورج طرابيشي، فقد بقيت هذه المساجلات في وجدان كل مثقف وغيرت نظرة العربي لكثير من القضايا. كتب د. الجابري 30 كتاباً أهمها تلك السلسلة التي اشتهرت باسم "نقد العقل العربي" وهي على التراتب "تكوين العقل العربي" و "بنية العقل العربي" و"العقل السياسي العربي" و"العقل الأخلاقي العربي"، وأهمها "التكوين" و"البنية".

لقد حَمَل الجابري نفسه وقرّاءه على ظهر نسر أسطوري عملاق، رفرف بجناحيه وغادر الأرض العربية محلقاً صاعداً نحو السماء، متحللاً من كل مقدس وتابو، حتى إذا ابتعد بمقدار كاف، عاد نازلاً نحو الأرض العربية ليجعلنا نرى بأم أعيننا، ثقافتنا التي شكلت شخصياتنا، فنبصر أنفسنا كما هي بلا رتوش، بكل عيوبنا وبكل حسناتنا أيضاً. إنه شيء مذهل أن تشاهد نفسك عبر شاشة التلفزيون، فتنزعج من بعض الحركات اللا إرادية التي تقوم بها، أو تكتشف أنك لا تحب صوتك. ما فعله الجابري أكبر من هذا بكثير، خصوصاً في مرحلة تشخيص الداء، وهي المرحلة الأهم في كل مشروعه.

مرحلة العلاج لم تكن بنفس القوة، فقد ترك فجوات دخل منها من يخالفونه ليناقشوه في قضايا، أهمها انحيازه للعقل اليوناني والعقل الغربي الحديث والعقل العربي، وإهماله لبقية الشعوب وثقافاتها. لقد كتب الجابري مشروعه لكي يرد على من جعلوا الفعل الفكري سفينة خاصة باليونان القديمة والغرب الحديث، ففتح في السفينة باباً جانبياً أدخل منه العرب وحدهم، ولم يقل إن الإبداع الفكري كان وسيبقى حقاً لجميع البشر، تخبو ناره في هذه البقعة لفترة، لتشتعل في بقعة أخرى لمدة من الزمن، وهكذا. ثم انتهى الأمر بالجابري إلى الانحياز للثقافة العربية بشقها السنّي، معرضاً عن بقية أطياف الثقافة العربية، منتصراً "للبيان المؤسس على البرهان"، بحسب مصطلحاته.

من هنا انطلق ابن حلب، د. جورج طرابيشي بعد ثمان سنين من القراءة المستمرة للجابري، بدايتها كانت بدافع الإعجاب، ونهايتها ختمت بالنقد الحاد. المنطلقات والتحيزات كانت مختلفة، فالجابري كان ينطلق من روح عروبية منحازة، وطرابيشي كان إنسانياً.. إنسانياً لأبعد الحدود. ومن هنا كتب د. طرابيشي مشروع (نقد نقد العربي) في خمسة مجلدات : "نظرية العقل العربي" و"إشكاليات العقل العربي" و"وحدة العقل العربي" و"العقل المستقيل في الإسلام" و"من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث" وفيها كشف عن أخطاء الجابري التي لم تكن كلها تاريخية، بل كان بعضها منهجياً.

لنعد الآن إلى مبادرة الشيخ عبد الله بن زايد وتحدي القراءة. إنني أوصي القارئ العربي، بأن يقرأ مساجلة الجابري/ طرابيشي، لا لكي ينحاز لواحد منهما ضد الآخر، ولا ليحدد من انتصر فيهما وكأننا في حلبة ملاكمة، ولا ليتصيّد أخطاءهما كما يفعل أصحاب القلوب الحاقدة على النجاح، وإنما أوصيه بهذه السلسلة المتصلة بين هذين المفكرَين العظيمَين، وأعِدُه بأنه بعدها سيشعر بأنه لم يعد نفس الشخص، وأنه قد ارتفع كثيراً في سماء الثقافة والفكر، وأصبح شخصاً آخر. هذه النوعية من الكتب ترتفع بقارئها، بغض النظر عن خلفيته الثقافية والبيئة التي جاء منها، وتغيّره تغييراً جذرياً وتجعله في حال أفضل مع النسور التي تحلق بعيداً، سامية على قمم الجبال الرفيعة.
T+ T T-