الإثنين 22 يوليو 2019
موقع 24 الإخباري

توسيع الحقل الدلالي للعداء للسامية...

يهود يتظاهرون ضد الصهيونية (أرشيف)
يهود يتظاهرون ضد الصهيونية (أرشيف)
قررت الحكومة الفرنسية، أخيراً، تصنيف العداء للصهيونية نوعاً من العداء للسامية. والواقع أن إلغاء الفرق بين مفهومين ظهرا في سياقين تاريخيين مختلفين ينطوي على إشكاليات قانونية وفكرية كثيرة. ولا يبدو من قبيل المجازفة القول، إن في مجرد إلغاء الفرق ما يُحرض على عودة تلك الإشكاليات إلى متن السجال السياسي والثقافي في أوروبا، ومناطق مختلفة من العالم.

حتى في الكنيست، سيجد الفرنسيون في محاولة توسيع حدود مفهوم العداء للسامية، أن عدداً من أعضاء أحزاب الحريديم في البرلمان الإسرائيلي لا يعترفون بالصهيونية، ويحاولون التعايش معها كأمر واقع لا أكثر
فالعداء للسامية، الذي يعني في أكثر تعبيراته مباشرة، كراهية اليهود، ظهر في أوروبا قبل قرنين في زمن صعود القوميات الأوروبية، وأعاد مفسروه تاريخه إلى دوافع دينية، وقومية، وعرقية تعود إلى قرون سبقت، وتجلت آثاره على امتداد التاريخ الأوروبي بداية من حروب الاستعادة، أي طرد اليهود من إسبانيا، بعد سقوط غرناطة، وصولاً إلى المحرقة النازية في الحرب العالمية الثانية.

وفي معرض إنشاء روايتها التاريخية، وتبرير وجودها، تحول مفهوم العداء للسامية إلى مُكون رئيس في الأيديولوجيا الصهيونية.

 فكراهية اليهود في نظر آباء الصهيونية تستعصي على التحليلات القومية والطبقية والثقافية وتكاد تكون مرضاً عضوياً معدياً لن ينجو منه أحد طالما عاش اليهود في مجتمعات ترى فيهم "ضيوفاً غير مرغوبين". وبالتالي، كان الحل الوحيد في نظر هؤلاء إنشاء دولة يهودية، يستقل فيها اليهود عن غيرهم.

وهنا تجدر ملاحظة أن صياغة مفهوم العداء للسامية، بالطريقة التي أسلفنا الحديث عنها، انطوى منذ ظهوره كمكوّن رئيس في الأيديولوجيا الصهيونية، على إشكالية ومشاكل فكرية ومفهومية لم تجد حلاً ناجعاً حتى الآن.

ففي حين "يسهل" اتهام غير اليهود بالعداء للسامية، ينطوي إلصاق التهمة نفسها بيهود ينتقدون اليهود واليهودية بمرافعات تاريخية أو فلسفية وثقافية، على قدر واضح من التناقض المنطقي.

وهذا ما وجد الحل في أدبيات الصهيونية التقليدية، وحتى يوم الناس هذا، في تهمة "اليهودي الذي يكره نفسه"، التي أصابت، وما تزال الكثير من المثقفين والمفكرين اليهود على مدار قرن من الزمان.

وبقدر ما يتعلق الأمر بمسألة العداء للصهيونية، التي قررت الحكومة الفرنسية تصنيفها نوعاً من العداء للسامية، والتي تعني أن عنصراً جديداً طرأ على مفهوم العداء للسامية، وأُضيف إليه، فإن أعداداً كبيرة من نُقاد الصهيونية بين اليهود الإسرائيليين، واليهود في مناطق أخرى من العالم، سيجدون أنفسهم في مشكلة حقيقية أمام القضاء الفرنسي.

فنعوم تشومسكي مثلاً، عالم اللغويات الأمريكي، والذي يُعتبر من أبرز المثقفين اليهود في العالم، لم يكف عن انتقاد الصهيونية كأيديولوجيا حصرية وإقصائية منذ ما يزيد على نصف قرن. وطائفة ناطوري كارتا، اليهودية، التي يقيم آلاف من أتباعها في حي مائه هشعاريم في القدس، لا تعترف بالدولة الإسرائيلية نفسها، وتعارض الصهيونية بوصفها المسيح الدجال.

وحتى في الكنيست، سيجد الفرنسيون في محاولة توسيع حدود مفهوم العداء للسامية، أن عدداً من أعضاء أحزاب الحريديم في البرلمان الإسرائيلي، لا يعترفون بالصهيونية، ويحاولون التعايش معها كأمر واقع لا أكثر.

ولو حاولنا التفكير في أمر كهذا بأثر رجعي، مثلاً، فإن محاكمة حنا آرندت، ووالتر بنيامين، وهما من كبار المثقفين اليهود، ونُقاد الصهيونية، في القرن العشرين، بالمعايير الجديدة لمفهوم العداء للسامية، ستؤدي إلى تجريم الاثنين.

والأهم من هذا وذاك، أن في كتابات هرتسل، وليو بنسكر، وأحاد هعام، ووايزمان، وهؤلاء من آباء الصهيونية، وقادتها الأوائل، الكثير من الصفات السلبية التي أطلقوها على بني جلدتهم، ويمكن لمحقق متشدد في عالم اليوم، واعتماداً على تلك النصوص، تجريم هؤلاء بتهمة العداء للسامية.

الخلاصة أن توسيع الحدود الدلالية لمفهوم العداء للسامية تخلق إشكاليات فكرية وثقافية وسياسية أكثر مما تسعى إلى حله. فالصهيونية أيديولوجيا سياسية تتنباها دولة معينة، وتبرر بها وجودها، ولهذه الدولة سياسات خارجية وداخلية يختلف أو يتفق عليها الناس. وبهذا المعنى يصدق عليها ما يصدق على غيرها من الدول.

والمفارقة، في هذا الشأن، أن محاولة توسيع الحقل الدلالي للعداء للسامية بدأت قبل نصف قرن تقريباً، على يد أبا ايبان، الذي شغل منصب مندوب لإسرائيل في الأمم المتحدة، وتولى وزارة الخارجية، أيضاً.

وكانت تلك المحاولة وثيقة الصلة بنتائج حرب 5 يونيو (حزيران) 1967، التي احتل فيها الإسرائيليون كامل فلسطين الانتدابية، وسيناء المصرية، والجولان السورية. بمعنى أنها جاءت في لحظة توسع بالمعنى السياسي والجغرافي والعسكري.

وفي إسرائيل، اليوم، التي صعد فيها اليمين القومي الديني، تحول توسيع الحقل الدلالي لمفهوم العداء للسامية إلى جزء من السياسة الخارجية للدولة. وهذا وثيق الصلة، أيضاً، بما يتجلى لدى الإسرائيليين من فائض القوّة في الوقت الحاضر.

وفي سياق كهذا، ثمة ما يستدعي التذكير بحقيقة أن اللعب بمفهوم العداء للسامية، وتحويله إلى حقل للرهانات السياسية، وإخضاعه لهندسة قسرية، يُضعف ما فيه من دلالات أخلاقية وسياسية اكتسبها بجدارة بعد الحرب العالمية الثانية.

والمفارقة، أيضاً وأيضاً، أن إسرائيل الدولة التي تبرر وجودها بالعداء للسامية هي الأكثر انتهاكاً لدلالات المفهوم نفسه، وأن فرنسا الدولة التي ظهرت فيها فكرة المثقف بالمعنى الحديث للكلمة، هي التي تُبادر إلى نصب حواجز أيديولوجية جديدة في الحقل الثقافي.
T+ T T-