الأربعاء 19 يونيو 2019
موقع 24 الإخباري

الدرس النيوزيلندي

برنتون تارانت منفذ هجوم نيوزيلندا بعد تعتيم وجهه أمام المحكمة (أرشيف)
برنتون تارانت منفذ هجوم نيوزيلندا بعد تعتيم وجهه أمام المحكمة (أرشيف)
إذا أرادت فضائية ما، تحويل إرهابي ارتكب مجزرة ضد أبرياء وآمنين إلى مصدر إلهام واستلهام لغيره، وبالتالي إلى وسيلة تعبئة وتحريض وتجنيد، فما عليها سوى أن تدعي الحياد والموضوعية، وأن تُبرر طريقتها في معالجة "الخبر"، وبحق الجمهور في المعرفة، وسماع الرأي والرأي الآخر، فكلاهما من ضمانات التعددية، وعلامات المهنية.

ما حرّض على العودة إلى العلاقة بين الإرهاب والإعلام تجلى في الموقف البديع لرئيسة الوزراء في نيوزيلندا، التي رفضت ذكر اسم الإرهابي القاتل، وكذلك في حجب صورته في وسائل الإعلام،
وبعد لازمة كهذه، ثمة ما يستدعي، في نظرها، تثبيت صورة الإرهابي، وقسمات وجهه، في ذهن المشاهدين، وهذا لن يتأتى دون تكرار عرض صورته على الشاشة في نشرات الأخبار، ولا بأس إن جاءت في وقت الذروة، وما يعقبها من "تحليل" من جانب أحد المعلقين، الذين تختارهم الفضائية للتعليق على هذا "الخبر"، بالذات، لأنها تعرف مسبقاً ما الذي سيقولونه، ولأنهم يعرفون مسبقاً ما يُنتظر منهم. ومع هذا وذاك، جرعة إضافية من رسائل نصية على شريط أسفل الشاشة.

ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ يمكن مضاعفة الأثر المطلوب بتكريس برامج حوارية، على مدار عدة أيام، بدعوى سخونة الحدث طبعاً، يشارك فيها "خبراء" في السياسة وجماعات العنف، وإجراء مقابلات مع أقاربه أو أصدقائه، وربما جيرانه، ليتكلموا عن جوانب في حياته وشخصيته، ولا يخلو الأمر أحياناً من استدعاء خبراء في علم النفس، لتحليل دوافع الإقدام على عمل مثل هذا.

ولا بأس، أيضاً، من إبداء تحفظات على سلوك الإرهابي وأيديولوجيته. المهم أن يبقى هو وهي، قيد التداول في الإعلام.

وبما أن عملاً مثل هذا، خاصةً إذا كان على نطاق واسع، لا يمر مرور الكرام، بل تعقبه ردود فعل ومواقف، وبيانات من جانب حكومات، وجماعات مختلفة، فثمة فرصة ومبررات موضوعية لإعادة التذكير بالقاتل، وتعميم قسمات وجهه، والكلام عنه، وحبذا لو ترك بياناً أو نصاً مكتوباً، أو كُتب عنه بيان أو نص يتبنى ما فعل، عندئذ يمكن إنشاء صلة لا تنفصم بين الصورة والنص.
  
وبما أن الإرهابي يكون في أغلب الأحيان جزءاً من جماعة أكبر، أو يزعم الانتساب إليها، أو تزعم هي ذلك، يمكن توظيف ما تقدّم من تقنيات وبرامج وتعليقات وحوارات وتحليلات لجعل صورته، وقسمات وجهه عنواناً للجماعة، يدل عليها، كما تدل عليه، يُذكِّر كلاهما بالآخر، وينوب عنه.

وبما أن القتل وسيلة الإرهابي لإشهار أيديولوجيا بعينها، وتعويم وتعميم رسالتها، فإن في إعادة بث أشرطة الفيديو التي يرفعها الإرهابيون على الإنترنت ما يمثل خدمة لهؤلاء، وهي لا تُقدر بثمن.

ألا يذكرنا كل ما تقدم بسلوك فضائية بعينها تحولت إلى منبر لتعويم وتعميم أيديولوجيا وصور وأخيلة الإرهاب على مدار ما يزيد على عقدين من الزمن، بدعوى الحق في التعبير عن "الرأي والرأي الآخر"؟

لا شك أن الكثيرين تذكروا الفضائية المعنية منذ السطور الأولى. ومع ذلك، ما حرض على العودة إلى العلاقة بين الإرهاب والإعلام، تجلى في الموقف البديع لرئيسة الوزراء في نيوزيلندا، التي رفضت ذكر اسم الإرهابي القاتل الذي ارتكب مجزرة المسجدين، حتى لا تمنحه حضوراً غير مُستحق، وكذلك في حجب صورته في وسائل الإعلام، فحتى في لقطات تُصوّر عرضه على القاضي ظُلل الوجه على شاشة التلفزيون.

لم تدع رئيسة الوزراء في نيوزيلندا، ولا وسائل الإعلام في تلك البلاد، التي يصعب التشكيك في نظامها الديمقراطي، الحياد الكاذب، والموضوعية الزائفة، ففي قضايا الإرهاب لا ينبغي تحقيق أهداف قتلة ومجرمين بتحويل المنصات الإعلامية إلى منبر لتعويم وتعميم أفكارهم وأيديولوجيتهم المريضة المعادية لكل آخر مُحتمل.

وفي سياق كهذا، فإن أيديولوجيا الإرهاب لا تستحق، ولا ينبغي أن تُعامل مثل رأي آخر يحتمل الخطأ والصواب، بل هي ما يصدق عليه مبدأ الحجب والحظر والملاحقة القضائية، وما تصدر ضده تشريعات ونصوص قانونية. ولعل في الدرس النيوزلندي ما يستحق الثناء، ويصلح لاستخلاص العبر.
T+ T T-