الإثنين 19 أغسطس 2019
موقع 24 الإخباري

مصالح نفعية ومتبادلة

العلم الإسرائيلي وشعار حماس.(أرشيف)
العلم الإسرائيلي وشعار حماس.(أرشيف)


إسرائيل وحماس شريكان غير مُتوقّعين، يدعو كلاهما إلى تدمير الآخر، وبين الطرفين وقعت ثلاث مجابهات عسكرية كبيرة آخرها في 2014
لاحت في الأفق، صباح اليوم الأحد، تباشير هدوء محتمل على الحد الفاصل بين قطاع غزة وإسرائيل، بعدما نجحت حماس يوم أمس في "ضبط" إحياء الذكري الأولى لمسيرات يوم العودة، وذكرى يوم الأرض، بطريقة لا تنم عن التزام كامل بالشروط الإسرائيلية، ولكنها لا تصل إلى حد انتهاكها بشكل صارخ. وهكذا، تجنّب الطرفان الدخول في مجابهة عسكرية واسعة بدت حتمية ومؤكدة في الآونة الأخيرة.

وفي هذا الصدد، التقت آراء المعلّقين، وصنّاع الرأي، في وسائل الإعلام الإسرائيلية، حول حقيقة أن الجهود التي بذلها المصريون، من خلال مفاوضات مكثّفة بين حماس والإسرائيليين، أسهمت إلى حد كبير في تجنّب مجابهة عسكرية واسعة. ومع ذلك، فإن الهدوء الذي تلوح تباشيره اليوم يبدو هشاً ومؤقتاً، ويصعب الرهان عليه لفترة طويلة من الوقت.

وبقدر ما تسرّب في وسائل الإعلام من تفاصيل بشأن التفاهمات بين حماس والإسرائيليين، فالأبرز بينها ما يتعلّق بزيادة حجم الأموال التي يدفعها القطريون، بموافقة إسرائيلية، وتخفيف القيود المفروضة على حركة البضائع مِنْ وإلى غزة، إضافة إلى توسيع مساحة الصيد البحري، والاستثمار في ملف التعمير، والبنية التحتية، من جانب منظمات الأمم المتحدة. وثمة إيحاءات غير مؤكّدة تشير إلى تفاهمات سريّة لم يتم الإفصاح عنها بعد، ربما تتعلّق بصفقة لتبادل الأسرى والرهائن بين الجانبين.

ولا ضرورة، في الواقع، لإعادة التذكير بدوافع ورهانات حماس وإسرائيل في لعبة التسخين والتبريد على الحد الفاصل، فهذا ما عرضناه في معالجات سابقة، والأجدى محاولة العثور على خلاصة سياسية، وعلى قانون عام للعبة نفسها. وربما لن نجد خلاصة أفضل من تلك التي وردت في مقالة تحليلية لآرون ديفيد ميللر في مجلة الشؤون الخارجية الأميركية يوم الجمعة الماضي.

كتب ميللر: "إسرائيل وحماس شريكان غير مُتوقّعين، يدعو كلاهما إلى تدمير الآخر، وبين الطرفين وقعت ثلاث مجابهات عسكرية كبيرة آخرها في 2014. ومع ذلك، تعاون هذان العدوان اللدودان مدة طويلة من الوقت بدافع الضرورة العملية، والتقت أهدافهما حول موضوعات معيّنة، بما فيها إدارة ما بينهما من صراع بالوساطة المصرية، والحيلولة دون توحيد السلطة الفلسطينية لغزة والضفة الغربية ـ ورغم ذلك، كلاهما لا يريد الاعتراف بأمر كهذا، إسرائيل وحماس يحتاج أحدهما الأخر".

يمكن الخروج من خلاصة كهذه بما يُفسِّر ويُلقي مزيداً من الضوء على حقيقة تعثّر وفشل جهود "المصالحة" بين سلطة حماس، بوصفها سلطة الأمر الواقع في غزة، والسلطة الفلسطينية في رام الله، على مدار عقد مضى من الزمن. وقد حاولت أطراف عربية مُختلفة مساعدة الطرفين على تذليل العقبات، ولكن جهودها باءت بالفشل.

وفي السياق نفسه، يمكن الخروج من خلاصة كهذه بما يُفسِّر ويُلقي مزيداً من الضوء على استراتيجية إسرائيل الرامية إلى تلقين حماس دروساً في الردع لا إلى القضاء عليها، ففي بقائها ما يخدم مصلحة إسرائيلية، بعيدة المدى، تتمثل في الفصل السياسي والجغرافي بين غزة والضفة الغربية، وتمكين حماس من إنشاء إمارة لها في قطاع غزة.

ومن المنطقي، تماماً، التفكير في حقيقة أن هذه الاستراتيجية وثيقة الصلة ببقاء نتانياهو في سدة الحكم، وصناعة القرار في إسرائيل، فهو الذي بلور ملامحها الرئيسة، وحرص على ترجمتها في الحقلين السياسي والأمني. وهذا يعني أن خسارة الأخير للانتخابات قد تعني إعادة النظر في شروط وضوابط استراتيجية تقوم على مصالح نفعية مشتركة ومتبادلة.

ومع ذلك، تبدو حظوظ نتانياهو في تشكيل حكومة إسرائيل القادمة، في الوقت الحاضر، وعلى الرغم من حدة المنافسة، أفضل من منافسيه. وهذا يعني، أيضاً، أن استراتيجية الفصل الجغرافي والسياسي بين غزة والضفة الغربية ستبقى قيد التداول، وأن المصالح النفعية، التي يفرضها الواقع على حماس والإسرائيليين، لن تختفي من المشهد السياسي في وقت قريب.
T+ T T-