الأربعاء 19 يونيو 2019
موقع 24 الإخباري

محمود حجيج... الحدود المعذّبة

من صور محمود حجيج.(أرشيف)
من صور محمود حجيج.(أرشيف)


محمود حجيج المصوّر يعمل على حدود بلد هو لصغرِهِ وضآلة حجمه يكاد يكون حبيس حدوده، بل يكاد يبدو حدوداً فحسب
لا نعرف كم أن الحدود قريبة بعيدة، وكم هي في المبتدأ والمنتهى، وكم هي بين الموقع والمكان بقدر ما هي في الفكرة والمخيلة. كم تكون مقدمة وخاتمة في حين أنها من صنيع المخيلة، كم تفرَّق ولا تفرِّق وكم تفعل ولا تفعل، وكم تتوارد في الكلام ولا تتوارد. هذه المرة لم يكن مكانها اللغة ولا الكلام، كان مكانها أن تنبسط أمام الكاميرا.

محمود حجيج مصور في الأصل ولا نعرف ماذا خطر له كي يخرج هذه الخطوط الخيالية إلى الوجود، ماذا خطر له ليجعل لها كياناً وجسماً فيقيم في صالة أجيال في بيروت هذا المعرض الذي بقي على الرغم من تصاويره خيالاً. لكننا مع ذلك نتأمل في الصور الحدود، نتأملها بين أرض وأرض، وضمناً بين كيان وكيان، ونشعر ونحن ننظر الى الصور أننا محدودون بها، وأن هذه الخطوط التي تفرق بين أرض وأرض ليست مجرد خطوط غائمة عائمة بل هي حولنا ونحن مطوقون بها بل نحن في حراستها. نشعر أن هذه الرقعة التي نعيش عليها ليست مجرد مبيت لنا. إن لها أيضاً قصتها، بل هي دائماً قصة بحد ذاتها، قصة بل وفكرة في نهاية رؤوسنا وفي قرارتها، وخطوط تتنفس وتتململ وتمتد. نشعر ونحن في معرض محمود حجيج أن ما نراه ينفسح أمامنا، يلف وجودنا ويسائله. إن لنا مكاناً كما أن لنا زماناً وإذا كنا لا نستطيع أن نضع دائماً في وعينا، فهو موجود وراء هذا الوعي، وهو من شروط وجودنا ومن علائمه، وإن كنا لا نملك أن نتعقّله أو نخرجه الى الضوء.

محمود حجيج المصور يعمل على حدود بلد هو لصغرِهِ وضآلة حجمه يكاد يكون حبيس حدوده، بل يكاد يبدو حدوداً فحسب. هذه الحدود كانت منذ كان شروطاً لوجوده بل كانت منذ كان امتحاناً لوجوده ومحكاً. لقد ولدت هذه الحدود من القلق ومن الخلاف ومن الشدائد، فإذا علمنا أن جزءاً كبيراً من هذه الحدود موضع شقاق لا ندري له نهاية ولا نعرف عنه إلا أنه وادي الصراغ. لا نعرف عنه إلا أنه محل للنفي والتنازع على الإسم وعلى التاريخ. وإذا نظرنا الى صور محمود حجيج تراءى لنا أنه وهو يقص الصور ويتعرّج فيها أن ما يقصه شريان، وأنه أقرب الى أن يكون جرحاً أو عصباً، وأنه يكاد أن يكون مصنوعاً من الحساسية. إنه خيط من العذاب ومن الحذر ومن المعاناة.

مقدمة المعرض التي كتبها مدير الكاليري صالح بركات محاولة «لتفكير» المعرض وتبريره. الصور تلك التي تصور الحدود لا تظهر الحدود وكأنها شق ممتد بين أرض وأرض. يقول بركات أن هذا المعرض حصيلة عمل دام سنوات، وهو في كلامه يسنده الى الفن المفهومي. يقوم المعرض على فكرة هي الأخرى نبحث عنها ولن يطول بحثنا حتى ننتبه الى أن هذه الخطوط شبه الوهمية شبه الخيالية هي أيضاً قدرنا، أن الخطوط التي تخترقها كالشقوق هي أيضاً شروط وجودنا وإنها تنقل ليس فقط معاناتنا وإنما وجودنا الجريح الذي منذ قام البلد ما زال ينزف منه. الحدود لا تكفي الصور، الكلمات ايضاً كالصور مثقلة بما وراءها. الحدود التي رسمت أول ما رسمت العدو والخصم والغازي. حدود كهذه لهذا البلد الصغير يبدو كأنها تزيد من صغره وتضيق أكثر فأكثر عليه، فيبدو البلد المحاط بها وقد انحبس فيها وضاق عن نفسه وعن مساحته. ألا يقول صالح بركات في مقدمته للمعرض أن المصور اكتشف أن مساحة البلد أقل في الواقع من المساحة الرسمية المعلنة. ألا يجعلنا نتساءل نحن اللبنانيين عن أن الحدود ليست شيئاً سوى الحصار وسوى النهايات وسوى جرح الوجود نفسه
T+ T T-