السبت 21 سبتمبر 2019
موقع 24 الإخباري

التنين الصيني

تعبيرية (أرشيف)
تعبيرية (أرشيف)


أغفل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عضَّة التنين الصيني لإيطاليا قبل وصوله إلى فرنسا، فالدماء ما تزال حارة بين أنياب التنين، وزفير اللهب يلفح ثريات قصر الإليزيه
في الوقت الذي تزداد فيه توترات المُنَافَسَة الاقتصادية بين الصين وأمريكا، وقَّعتْ شركة الطيران "إيرباص"، عقداً بتصدير 300 طائرة للصين، بقيمة 35 مليار دولار، وبحضور الرئيس الصيني شي جين بينغ، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في قصر الإليزيه.

اعتبرتْ الولايات المتحدة الأمريكية عقد "إيرباص" ضربةً متزامنة، لشركة بوينغ التي مُنيت بكارثتين قاتلتين. كان سقوط موديل "بوينغ 737 ماكس"، المُمَثَّل في طائرة إندونيسيا، وطائرة إثيوبيا، سقوطاً معنوياً آخر، لسمعة "بوينغ" على مستوى العالَم.

حظرتْ دول عديدة التعامل مع "بوينغ 737 ماكس"، وألغيت طلبيات مستقبلية للطائرة، وفُتح تحقيق مؤلم لأسباب السقوط، وترددتْ شبه إدانة لبرمجيات نظام التحكم الذاتي في الطائرة. أنكرتْ إدارة ترامب في البداية عيوباً تقنية في الطائرة، ثم اعترفتْ بعد بداية التحقيقات. وعدتْ شركة "بوينغ" بإصلاح نظام التحكم الذاتي للطائرة، إذا انتهتْ التحقيقات بتأكيد الخلل.

وكالة "بلومبرغ" الأمريكية، المعنية بتقارير المال، علقت بسخرية مريرة، عن صمت إيرباص حول مكاسبها، ثم رصدتْ مظاهر حفل العشاء الباذخ الذي أقيم في قصر الإليزيه تحت أضواء الثريات الكلاسيكية المهيبة، وفرحة الدولة الفرنسية، والمدراء التنفيذيين بالصفقة العملاقة. التصريح الرسمي المقتضب لإيرباص، بأنها لا نية لديها في الاستفادة من المآسي الإنسانية، والوقت غير مناسب لمعاينة خسائر المُنافِس الجريح، ونحن جميعاً أسرة واحدة، والسلامة خارج المُنَافَسَة.

لكن وكالة بلومبرغ فضَّلتْ في تقريرها، الحديث أولاً عن حفل العشاء الباريسي في قصر الإليزيه، احتفالاً بالصفقة، وكأنَّ قسوة عالَم المال، لن تعترف بترضية علنية، بينما كانت الشماتة المكتومة تتراقص على مائدة العشاء مع كبد الأوز الفاخر ونبيذ بوردو وشمبانيا الألزاس.

قبل زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى فرنسا، كان في زيارة إلى إيطاليا، لدعم مشروع "طرق الحرير الجديدة"، سكك حديدية، طرق حرير برية، طرق حرير بحرية، موانئ. مشروع "طرق الحرير الجديدة"، التحدي الكبير الذي يُمثِّل طموحات بكين الاقتصادية العالمية، وهي طموحات تُقوِّض النفوذ الأمريكي، وبانضمام إيطاليا، الذي تم الإعلان عنه في 22 آذار (مارس) 2019، إلى مشروع البنى التحتية العملاقة، تكون الصين قد جمعتْ في صفها 72 دولة.

حذَّرت أمريكا من أن التنين الصيني يأكل دول أوروبا العجوز، دولةً دولة، وعلى حدة. وقال وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو موجهاً خطابه إلى إيطاليا: إن الكلفة السياسية ستكون أكبر من المكاسب الاقتصادية.

كثرة التهديدات الأمريكية أصبحتْ فارغة، فاقدة الأعصاب، فهي تُشبه إلى حد كبير جنون الممثل أحمد توفيق في فيلم "شيء من الخوف" 1969 للمخرج حسين كمال، وتكراره في المشهد الشهير، لأهل القرية: إنتوا ما بتخافوش ألاّ من عتريس.. أنيّ أجدع من عتريس.. أنيّ بلوة سودة.. أنيّ سفَّاح.. أنيّ شرَّاني.

إيطاليا لا تعنيها كثيراً المصالح العتريسية الأمريكية، بل إيطاليا بسياستها الجديدة، لا يعنيها الاتحاد الأوروبي ذاته، والأكثر واقعية، أن الاتحاد الأوروبي لا يستطيع إنكار ثاني أكبر قوة اقتصادية في العالَم، وهي القوة الصينية. فقد طلبتْ فرنسا وألمانيا والمفوضية الأوروبية بحياء وخنوع في 26 آذار (مارس) 2019، شراكة أكثر توازناً بين الصين وأوروبا، ودعتْ إلى تعددية متجددة في غياب الولايات المتحدة الأمريكية التي باتت تتخذ مواقف أحادية بشكل متزايد.

ومن جهته قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بعين مكسورة من احتجاجات السترات الصفراء، والعين الأخرى مكسورة بصفقة إيرباص الهائلة، خلال استقباله للرئيس الصيني شي جين بينغ: التعاون يفيد أكثر من المواجهة، سنستفيد من الانفتاح أكثر من الانغلاق. نحترم الصين، ونتوقع أيضاً بالطبع من كبار شركائنا الصينيين، احترام وحدة الاتحاد الأوروبي.

أغفل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عضَّة التنين الصيني لإيطاليا قبل وصوله إلى فرنسا، فالدماء ما زالتْ حارة بين أنياب التنين، وزفير اللهب يلفح ثريات قصر الإليزيه. الصين كقوة كبرى تحتاج إلى أتباع، وليس هناك أي احترام من التنين الصيني، لوحدة الاتحاد الأوروبي. وحذَّر وزير الخارجية الألماني هايكو ماس عن حق بقوله: بعض الدول الأوروبية تعتقد أن بوسعها عقد صفقات مربحة مع الصينيين، وسوف تُفاجأ عندما تدرك أنها أصبحتْ دولاً تابعة.

أغفل أيضاً وزير الخارجية الألماني هايكو ماس، كما فعل إيمانويل ماكرون، أن المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل تلقتْ تعنيفاً من الولايات المتحدة الأمريكية فيما يتعلق بتراخي ألمانيا في الوقوف بحزم أمام غزو هواتف هواوي الصينية للأسواق الأوروبية.

T+ T T-