الإثنين 16 سبتمبر 2019
موقع 24 الإخباري

دينار "حسن البنا"

الدينار الليبي الجديد (أرشيف)
الدينار الليبي الجديد (أرشيف)
هناك ورقة نقدية من فئة الدينار في ليبيا تحمل صورة عمر المختار، الشيخ المقاوم الذي فجر ثورة ضد الاستعمار الايطالي.

الخديعة تكمن في الصورة التي تختفي وراء "المختار" وتاريخه الذي هو تاريخ ليبيا أيضاً، صورة "حسن البنّا" مؤسس جماعة الإخوان المسلمين في مصر بطربوشه التركي
المختار الذي تحول إلى أيقونة تجاوزت الخريطة الليبية الى شعوب المنطقة، كان يمكن أن ترى صورته الشهيرة بذقنه البيضاء المسترسلة على جدران غرف الطلبة الجامعيين، إلى جانب غيفارا، ونيرودا، وأليندي، ومانديلا، وصور العائلة، نموذج للشيخ المقاتل الصلب المحاط بأسطورة صحرواية ممتلئة بنساء بدويات يتبعن موت الرجل في "سوق الواقعة" جنوب بنغازي، محاطات بأدراج البيوت وزنقات بنغازي، وبواباتها المكللة، على عادة البحر الأبيض المتوسط، بكلس أبيض وشبابيك زرقاء، في مطلع ثلاثينيات القرن الماضي بملاءاتهن السوداء، ورجال يندفعون على ظهور خيول رشيقة وهم يرفعون بنادقهم عالياً في الهواء بينما ترفرف عباءاتهم الملونة على أجسادهم كما لو أنها أجنحة، المشهد الذي نحته مصطفى العقاد بدقة في فيلمه المسمى باسم الشيخ.

لأمر ما صورته تتداخل في مخيلتي مع الشيخ فرحان السعدي، ابن جنين الذي أعدمه البريطانيون في نوفمبر(تشرين الثاني) 1936.

ليبيا بحاجة إلى ماضيها الآن، تحديداً تلك الحقبة التي شهدت حضور عمر المختار ورجاله، الممتلئة حتى حافتها بمواجهة الفاشية الإيطالية المتوحشة، بحاجة للمثل الذي ضربه هؤلاء الرجال بشجاعتهم ونقاء مقاصدهم، بحاجة إلى ذلك الماضي للاتكاء عليه، ليس لاستنساخه، ولكن لقراءته على ضوء الفوضى، والتفكك، وتنفذ أمراء الحرب والميليشيات المسماة بأسماء المدن، والبلدات، والقبائل، الواقع الذي وجدت ليبيا نفسها في طوفانه.

لذلك يمكن أن تجد صورة عمر المختار على أوراق العملة الليبية من فئة الدينار الأكثر تداولاً بين الفئات الشعبية، لأنه ببساطة أحد صناع ذلك التاريخ المشرق رغم قسوته وتراجيديته.

وسيبدو مهماً وضرورياً إعادة إصدار العملة وعليها صورة الرجل الذي وحد وجدان الليبيين وأشار لهم نحو ممرات الحرية. ولكن مثل عمل صبياني يفتقر للأخلاق تبدو النسخة الأخيرة المثيرة للجدل من إصدار ذلك الدينار.

الخديعة تكمن في الصورة التي تختفي وراء المختار، وتاريخه الذي هو تاريخ ليبيا أيضاً، صورة حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين في مصر بطربوشه التركي.

يقول ناشط ليبي من الذين أثاروا الموضوع كخديعة وخيانة، إن عليك أن تسلط الضوء على صورة عمر ليظهر شبح البنا.

شبح البنا، دون غيره الذي يظهر الآن بقوة في الصراع الجاري حول طرابلس العاصمة الليبية، وهو يتجول على سيارات الدفع الرباعي المسلحة التي تجوب شوارع العاصمة، وتندفع من رمال الصحراء معفرة بالرمل والطين وأيديولوجيا الاستئثار والتسلط.

الضوء المسلط على طرابلس كشف الصورة التي تختفي وراء مشهد الوزراء والياقات البيضاء، وورشات البحث عن "مدنية الدولة" في حطام اجتماعي مدمى، لتظهر صورة جماعية لميليشيات أمراء الحرب، وسوق السلاح، ومافيا تجار العبيد في ائتلاف يصعب الحصول عليه إلا في ليبيا.

لا يبدو واضحاً إلى أين ستؤدي الحرب الدائرة حول طرابلس الغرب، ولكنها كشفت في ضربة، قد لا تكون مقصودة، أحد آخر وأهم ملاذات الإخوان وأفراخهم التي خطفت الربيع العربي من بين أيدي الناس وأثخنته بالموت واليأس.

T+ T T-