الخميس 23 مايو 2019
موقع 24 الإخباري

في وصف "قائمة الوحدة الوطنية" ومآلات اليسار الفلسطيني

تعبيرية (أرشيف)
تعبيرية (أرشيف)


لعل النموذج الأكثر فجاجة في هذا النفوذ كان يتمثل في جناحي حزب البعث في سوريا والعراق اللذين كانا يحشران في حصة اليسار دائماً
يصعب التخلص من الإحساس بالحزن وأنا أتابع، بالأرقام، النهايات المفجعة لبعض فصائل اليسار الفلسطيني، والمصائر التي آلت إليها، حزن يتحول الى فجيعة أمام القدرة الاستثنائية ل"قياداتها" على تحويل الخسارة المطلقة إلى شعور عميق بالرضى عن الذات وعن العالم الافتراضي الذي التجأت اليه كبديل عن الواقع.

الأمر لم يحدث فجأة، لم يكن حادث سير، أو ما نسميه هنا بالحاجز الطيّار حين تهبط دورية "حرس الحدود" الاحتلالي في طريق جانبي لتعتقل شاباً أو تطلق النار على مركبة.

كانت هناك إشارات كثيرة ومتداولة تتراكم خلال العقود الثلاثة الأخيرة، وتؤدي جميعها إلى ما يشبه خاتمة مكشوفة.
الخاتمة الطويلة التي تحدث الآن.

ورغم ذلك استطاع الإحساس بالخسارة أن يتسلل إلى جفاف التحليل وقسوته.
عندما لا تتجاوز الأصوات التي حصل عليها ممثل حزب يساري عريق الـ50 صوتاً في جامعة يكاد يصل عدد طلبتها إلى الـ15 ألفاً والقادرين على التصويت حوالي الـ12 ألفاً.

هذا الإحساس هو ما ستتركه خلفها النتائج المتلاحقة لانتخابات مجالس الطلبة في الضفة الغربية، آخرها جامعة بير زيت، والجدل الدائر حول مشاركة بعض الفصائل "اليسارية" في وزارة "محمد شتية"، وهامشية التأثير في كارثة "الانقسام"، وهشاشة المواقف في مواجهة التحديات المعيشية والسياسية القائمة، هشاشة تسبب فيها الارتجال وغياب البرامج والافتقار إلى التجديد والمخيلة.

وهو ما يطرح السؤال حول نفع هذه الأطر ومدى حضورها في الشارع الفلسطيني ونزاهة تمثيلها للشرائح الاجتماعية التي تدعي الحديث باسمها.

لعل الأمر أحد المظاهر المبكرة لهذه المآلات بدأ في سبعينيات القرن الماضي، تحديداً من تفصيل صغير أطلق عليه في حينه، "قائمة الوحدة الوطنية"، وهو نوع من التوافق بين الفصائل المكونة لمنظمة التحرير على "كوتا" تمثيلية في مؤسسات المنظمة، من عضوية المجلس الوطني الهيئة التمثيلية الأعلى الى عضوية الإدارات والأمانات العامة في الاتحادات الشعبية مروراً بعضوية اللجنة التنفيذية.

حيثما وجدت صناديق الانتخابات كمظهر ديمقراطي ينظم الحضور في مؤسسات المنظمة والاتحادات الشعبية، بمثابة النقابات، كانت "قائمة الوحدة الوطنية" تظهر كطريق التفافي يتحايل على العملية الانتخابية، ويحولها إلى ما يشبه محفوظة مدرسية جماعية يرددها الجميع خلف الأستاذ المناوب الذي هو "حركة فتح" في الغالب.

استطاعت القائمة بحمولاتها البلاغية وشمولية عنوانها وسطوته، أن تكرّس حضورها وتحصّنه، وتحوّل وهي تشق طريقها كل رغبة في الخروج عنها الى نزعة انشقاق وتخريب للوحدة الوطنية المنشودة.

وما بدا مبادرة تفاوضية في البداية تحول عبر عقود طويلة الى عرف يمتلك قوة القانون.

الأمر كان في بدايته نوعاً من قياس الحضور الشعبي، مع تأثيرات يفرضها نفوذ الأنظمة العربية وبحثها عن حصص خاصة بها في الجسم التمثيلي الفلسطيني، لعل النموذج الأكثر فجاجة في هذا النفوذ كان يتمثل في جناحي حزب البعث في سوريا والعراق اللذين كانا يحشران في حصة اليسار دائماً، اضافة الى ضغوط القيادة المتنفذة في المنظمة.

"قائمة الوحدة الوطنية" كانت تعتمد على تمثيل "فتح" بالنصف زائد واحد في الغالب، بينما يجري توزيع النصف ناقص واحد على مجموع الفصائل، حيث تتلهى فصائل اليسار بالبحث عن انتصارات جانبية حول الأحقية دون تجاوز حصتها.

كانت الآلية واضحة وبسيطة ومريحة، قيادات "الفصائل" تدوّن أسماء ممثليها، الذين لا يتبدلّون عادة، ولا يخضعون لعمليات انتخابية داخلية أو تقييم للكفاءة والتخصص أو أي شيء من هذا القبيل، لو استثنينا "الولاء المطلق" للقيادة، غير المنتخبة أيضا، بحيث تتراكم سلسلة من "مصالح الولاء" تبدأ من نقطة فاسدة في التنظيم لتصل الى "النقابة، الاتحاد، المنظمة الشعبية" وتتحول إلى "فساد وطني" ضمن قائمة متفق عليها.

ما يحدث الآن بدأ هناك.

T+ T T-