الأحد 25 أغسطس 2019
موقع 24 الإخباري

الأراكوز والسياسي!

تعبيرية (أرشيف)
تعبيرية (أرشيف)


علينا الاعتراف بأن بعض دول النظام الرسمي العربي، وفي أزماتها التراكمية المتعددة الأوجه والعناوين وتحديداً في تعاملها مع قضيتي الحرية ولقمة العيش، غابت عن بالها برامج التنوير
قد يعتقد البعض أنه عنوان رواية سوداوية أو عدمية أو على النقيض رواية فكاهية، فالعنوان مستوحى من المجموعة القصصية للأديب الكبير إحسان عبد القدوس التي عنونها بواحدة من قصصه في هذه المجموعة وتحولت لاحقاً لفيلم سينمائي من أنجح الأفلام الناقدة للعلاقة الشاذة بين السلطة السياسية والأمنية وإحدى الراقصات والتي ترمز للفساد الأخلاقي والقيمي.

ولكن في حقيقة الامر هذا عنوان واقعي يكاد يكون موجوداً في معظم عواصم الشرق العربي التي غابت عنها الإدارات العصرية - الديمقراطية في القرن الحادي والعشرين، وحلت بدلاً منها العصابات وشلل الفساد والجهل ونجحت في بناء  أخطر أنواع التحالف ألا وهو تحالف رأس المال "رؤوس الأموال" مع الجهل "رؤوس الجهل" الذين نجحوا خلال العقد الأخير من الوصول إلى بعض المواقع الحساسة في مراكز صنع القرار إلى درجة أصبح رموز هذا التحالف وزراء أو صناعاً لوزراء مؤثرين بحكم مواقعهم وسلطاتهم في الإعلام والاقتصاد والسياسة الخارجية، واصبح البعض منهم رؤساء لجامعات وساهموا معاً في زراعة الجهل وتسويق "التصحر الفكري"، والانتهازية السياسية، والفساد بشتى أنواعه.

بحكم الاطلاع على تجارب هذه "الظاهرة " الخطيرة في منطقتنا العربية، فقد اكتشفت أن "تحالف الجهل والفساد" وبعد أن اجهض "التنوير"، والثقافة في الإعلام والتعليم المدرسي والجامعي وفي أركان المجتمع برمته وساهم في بناء وتعزيز ما يسمى بالمجتمع المدني اللا وطني "الذي يعتمد على التمويل الخارجي"، ونجح فيما نجح ومع توفر عوامل أخرى لا مجال لذكرها في هذا المقال، نجح في التوصل إلى الحل السحري في ايجاد "إعلام الإسفاف والابتزاز والتطبيل"، وفي نشر ثقافة بديلة مهترئة "تساهم في التغطية على جريمته الكبرى في اغتيال مصادر ومنابع التنوير والإبداع لصالح التجهيل والتسطيح لكل القضايا الجوهرية والعميقة، ولقد توصلت وعبر الرصد إلى أسماء كثيرة أعرفها ويعرفها غيري من كبار الصحفيين والكتاب والمثقفين والسياسيين لرموز هذا "الإعلام المبتز والمسف" ولكني تحاشيت ذكر هذه الأسماء لكون هدفي تشخيص الظاهرة وتشريحها على أمل وضع الحلول المضادة لها.

ومن هنا علينا الاعتراف بأن بعض دول النظام الرسمي العربي، وفي أزماتها التراكمية المتعددة الأوجه والعناوين وتحديداً في تعاملها مع قضيتي الحرية ولقمة العيش، غابت عن بالها برامج التنوير والبعض منها تعمد تجاهلها لتناقضها معه، وسيطرت على هذه الانظمة "السلطوية الشمولية" التي بات يغذيها الشعور بالتفوق بعد زمن طويل من "الشعور بالدونية" امتد لأكثر من أربعة عقود أمام رموز الثقافة والفكر والعلم، وقد دفعتها هذه المسألة الحساسة إلى بناء منظومة تصدي كبرى على لها على المستويات كافة، دينية وفكرية وإعلامية وتعليمية، وأصبح بعض الفاسدين والمهرجين والنكرات "رجال فكر ووعظ وأصحاب رؤى وآراء"، وتم الخسف بمعسكر التنوير حتى بات المثقف عدواً حقيقياً للمسؤول الجاهل.

وفي تحليل علم النفس الاجتماعي يميل المسؤول متواضع الثقافة ومحدود الفكر لمجالسة من هم أقل منه ثقافة وعلماً أو على الأقل من هم في مستواه، ويتحاشى قدر الإمكان الجلوس مع من هم أكثر منه ثقافة وذلك للسيطرة عليهم وتحويلهم إلى ادوات له وليتحاشى فضح حقيقة جهله على الملأ.

سيكون هذا المقال توطئة لنشر دراسة عن ظاهرة "الأراكوز والسياسي " وهي دراسة ستكون صعبة ومحرجة وقد تكلفني خسارة على المستوى السياسي والمادي وعلى مستوى علاقاتي الاجتماعية وتحديداً في الوسط الصحفي العربي المُختطف من قبل راس المال الجاهل والفاسد. 
T+ T T-