الخميس 23 مايو 2019
موقع 24 الإخباري

قناة الفتنة تستدعي أزلامها

مظاهرات ضد حكومة البشير في السودان (أرشيف)
مظاهرات ضد حكومة البشير في السودان (أرشيف)


العقيدة النضالية الإخوانية لا ترى بأساً ولا تجد حرجاً في التضحية بمئات الألوف من أجل تحقيق الغرض السياسي الذي قامت من أجله الجماعة، بشرط ألا تكون التضحية في طبقة القيادات
هل تذكرون ذلك التقرير الناري الذي بثته قناة "الجزيرة" أو قناة "الفتنة" على الأصح أثناء سقوط نظام الرئيس المصري السابق محمد حسني مبارك في 2011 ؟ لا حاجة للتذكر فهو موجود على اليوتيوب تحت هذا العنوان: (اليوم ننجيك ببدنك - تقرير الجزيرة عن خلع مبارك) ويمكن لمن شاء الرجوع إليه. الشخص الذي قرأ التقرير، ولعله هو كاتبه (فوزي بشري) رجل فصيح بليغ ذو صوت جهوري، يحسن مخاطبة العاطفة العربية والوجدان العربي المتأججة أصلاً، أكثر من قدرته على مخاطبة العقل، بارع في مداعبة مشاعر إنسان الشارع، حتى وإن وقع في المخالفات المهنية الكارثية. إذ كيف بالله عليكم يحق له و لمنصة إعلامية محترفة تحترم نفسها، أن تُبيح لنفسها، استخدام آيات من القرآن الكريم، تحكي للمتلقي قصة موسى بني إسرائيل مع فرعون الخروج، وغرق الأخير في البحر الأحمر والمصير الرهيب الذي تعرض له هو وجيشه، وتأتي على الآية (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً) فتُنزلها على حاكم عربي (الرئيس حسني مبارك) وتشبهه بإجرام فرعون ضد بني إسرائيل، لمجرد أنه لم يكن على وفاق مع حكومة قطر، في شماتة وصبيانية تتناسب فقط مع الغوغاء وصغار العقول.

فوزي بشري قد تم استدعاؤه من جديد في هذه الأيام من قبل قناة الجزيرة التي يبدو أنها لا تندبه إلا للعسير ولا تُظهره إلا في المهمات الصعبة والأهداف الكارثية، ليتولى التعليق على أحداث الساعة الراهنة في السودان. تغطية الجزيرة على خلع البشير كانت أضعف التغطيات على الإطلاق، فهي وهو ينتميان لنفس الخط الفكري السياسي ولم يهن على القائمين عليها رؤية صاحبهم يسقط، لكن بعد أن ثبت السقوط فعلاً خرج الأستاذ بشري بالفعل بتقرير موجود هو الآخر على اليوتيوب بعنوان (بعد اقتلاع البشير: ما هي سيناريوهات المشهد السوداني؟). إنه وجه جديد انقلب على زميلهم ورفيق دربهم عمر البشير، ليطالب بحقوق الثوار ولكي يُحرف المسيرة لتصب في صالح حلفاء الدوحة في السودان.

في هذا التقرير الجديد، كما هي عادة الجماعة، هناك استغلال للبرمجة العصبية وحديث للعقل الباطن وبرمجة خفية لذهن المتلقي البسيط ودعوة له لكي يبقى ثائراً متظاهراً في الشارع، حتى تأتي الحكومة التي يرضى عنها النظام القطري ويباركها، ولا بأس في أن يموت في سبيل هذا المطلب مئات الألوف من السودانيين من أجل تحقيق هذا المطلب، وكأن مأساة سوريا الماثلة أمام أعيننا لا تكفي، حتى ننكأ جرحاً ثانياً في السودان. ألا يمكن أن يكون الغرض الحقيقي هو فعلا إحلال الديمقراطية في العالم العربي كما يدعون؟ حسناً، لماذا إذاً لا يتنحى أمير قطر عن الحكم ويدعو للانتخابات؟! لماذا بقي خليفتهم أردوغان يقاتل بكل ما أوتي من قوة في الفترة الماضية، لرفض نتائج الانتخابات؟!

مشكلة البلاد العربية لن يحلها إسقاط نظام والإتيان بنظام آخر، مشكلة العرب تكمن في الأساس، في سوء استخدام الموارد الطبيعية والبشرية، لكن هناك أناس لا يرتاحون ولا يقر لهم جفن حتى يصوروها حروباً ملحمية جنائزية، كيف لا وهم يعيشون دوماً أجواء الحرب بين الأخيار والأشرار، فنفس الواحد منهم صائبة خيّرة بإطلاق ونفس خصمه خاطئة شريرة بإطلاق، لا تعقيد ولا توسط، إنهم الإخوان المسلمون وحدث ولا حرج، ولا بد من توضيح نقطة مهمة هنا، فالعقيدة النضالية الإخوانية لا ترى بأساً ولا تجد حرجاً في التضحية بمئات الألوف من أجل تحقيق الغرض السياسي الذي قامت من أجله الجماعة، بشرط إلا تكون التضحية في طبقة القيادات، بمعنى أن لا بأس أن يموت مئات الألوف من الناس البسطاء المحبين للدين الجاهلين بمضايق السياسة. فليعد القارئ الكريم إلى تصريحات قياداتهم وسيجد هذه الدعوة للتضحية بالنفس، واضحة جلية لا تحتاج لبرهنة.

سؤال أخير: هل كانت الحكومة التي سقطت أخيراً في السودان، حكومة عمر البشير، إلا واحدة من حكومات الإخوان المسلمين في العالم العربي؟ كل من يعرف تاريخ عمر البشير وصاحبه الترابي يعرف هذا جيداً، فالبشير كان قائد اللواء الثامن منذ 1987 حتى يوم 30 يونيو 1989 حيث قام بانقلاب عسكري على حكومة الصادق المهدي، بإيعاز ومباركة من أبي الإخوان حسن الترابي رئيس "الجبهة الإسلامية القومية" واستمرا حليفين حتى وقع الصدام بينهما في 1999.
 عمر البشير شاهد على العصر ضد كل من يقولون بأن جماعة الإخوان المسلمين لم تتح لها فرصة الحكم، ولو أتيحت لها هذه الفرصة لأمطرت السماء ذهباً ولأكلنا من المنّ والسلوى ولساد في الأرض عدل كعدل عمر بن الخطاب. هذه الدعوى ليست سوى دعوى العاجز، ليست سوى حيلة قديمة استعارتها الجماعة من الماركسيين الذين احتجوا، عندما فشل مشروعهم، بأن التجربة لم تتح لها الفرصة لتطبق بشكل صحيح، وأن روسيا زراعية وليست صناعية، وأن الظروف لم تكن مواتية، وأن "الأعداء" لم يفرشوا لهم الطريق بالحرير... إلخ أعذار الفاشلين.

حفظ الله السودان وأهلها من كل سوء، والحفظ يحتاج لبذل الجهد، وإن أفضل ما يمكن أن يفعلوه في الوقت الراهن حتى الإعلان عن الحكومة الجديدة خلال السنتين القادمتين، هو منع قناة الجزيرة ومراسليها وكل من يعمل بها من الوصول إلى الشارع السوداني حتى تنتهي الأزمة في سلام، أما إن وصلت إليهم قناة الفتنة، فقل عليهم السلام. حفظ الله لسودان وأهلها من كل سوء، مرات ومرات.
T+ T T-