الخميس 22 أغسطس 2019
موقع 24 الإخباري

حبل هيتشكوك

ألفريد هيتشكوك أثناء بروفات فيلم "حبل" (أرشيف)
ألفريد هيتشكوك أثناء بروفات فيلم "حبل" (أرشيف)
في فيلم “Rope”، أو "حبل" 1948، لمخرج الإثارة ألفريد هيتشكوك، الحدث يجري في ليلة واحدة. شقة أنيقة في نيويورك. شابان مُرفهان، براندون المتسلط، وفيليب الرقيق، عازف البيانو، يقدمان على خنق ديفيد كينتلي، بحبل قصير، ووضع جثته في صندوق كتب خشبي. ديفيد زميل لهما من أيام الدراسة. يحمل براندون أفكاراً عن الجريمة الكاملة، الجريمة المثالية التي لا تشوبها شائبة، وفيليب الضعيف، يقع في العادة تحت سحر براندون.

هيتشكوك كما هو حال المخرجين الكبار، راوده في فيلم "حبْل"، حلم اللقطة الواحدة، أو فيلم اللقطة الواحدة
قناعة هيتشكوك الجمالية، والكلاسيكية في آن، هي أنه يجب تقطيع شريط الفيلم إلى مئات اللقطات، وإعادة تركيبه، للحصول على التأثير الفني المطلوب، إلا أن هيتشكوك كما هو حال المخرجين الكبار، راوده في فيلم "حبل"، حلم اللقطة الواحدة، أو فيلم اللقطة الواحدة، قول كل شيء دفعةً واحدة دون انقطاع.

أول عقبة تقنية، واجهتْ هيتشكوك، هي أن زمن بكرة الفيلم، داخل شاسيه الكاميرا، مدته عشر دقائق، وللتحايل كانت الكاميرا تقترب من ظهر الممثل إلى حد الإظلام، لتبديل بكرة الفيلم. العقبة التقنية الثانية، تتعلق ببناء ديكور الشقة، فالنافذة الكبيرة، صُنع خلفها ماكيت السحب وناطحات السحاب، وكانت السحب يتم تحريكها منفردة، لتنسجم مع مرور الزمن، ولون ضوء الغروب، وزاد من تعقيد التقنية، أن فيلم "حبْل" كان الفيلم الملون الأول لهيتشكوك.

عندما قتل براندون وفيليب صديقهما ديفيد كينتلي، وهو أول ضيوف حفل الكوكتيل، كانا ينتظران وصول باقي ضيوف الحفل، السيد كينتلي والد ديفيد، وعمة ديفيد السيدة آنيتا، وجانيت حديثة الارتباط بديفيد، وكينيث، وهو زميل آخر كان على علاقة بجانيت قبل ارتباطها الحديث بديفيد، والسيدة ويلسون القائمة على خدمة الضيوف، وأخيراً مُعلِّم براندون وفيليب أيام الدراسة، جيمس ستيوارت في دور روبرت كاديل.

الحفل على جثمان ديفيد كينتلي يُمثِّل في رأي براندون توقيع الفنان على لوحته، فالجريمة عند هيتشكوك في العمق، جريمة عقلانية، أي أن أساسها البراعة والتخطيط الدقيق، على عكس مثلاً الجريمة عند دوستويفسكي الغارقة في الإخفاق، والتخطيط البائس، وافتقاد البراعة إلى حد مخيف، وربما لهذا لم تكن جرائم دوستويفسكي اللا عقلانية، موحية لعوالم الجريمة عند هيتشكوك، ومع هذا فهناك خيط نظري بين الجريمة في فيلم "الحبْل"، وبين الجريمة عند دوستويفسكي في رواية "الإخوة كارامازوف".

يعتقد براندون أن روبرت كاديل، مُعلمه، هو الوحيد من بين ضيوف حفل الكوكتيل، الذي له أن يُقدِّر فعل القتل الإبداعي، فروبرت كاديل يُشبه إيفان كارامازوف شقيق سميردياكوف في رواية "الإخوة كارامازوف"، الذي قتل والده بكلمات شقيقه. روبرت يرى الجريمة المتقنة نوعاً من الفن، وها هو براندون يأخذ كلمات أستاذه على محمل الجد. الإنسان المتفوق، أو الإنسان الأعلى، أو الوحْش الأشقر الجميل بتعبير نيتشه، له الحق في قتل الإنسان الأدنى، لمجرد المتعة، واستعراض القوة.

لكن براندون يفوته أن أستاذه روبرت كاديل يقول كلماته عن فن القتل، بروح ساخرة، ومَنْ لا يُقدِّر السخرية، ويتجاوز نبرتها، يُغامر بعقلانيته، ويقع ضحية الفهم الساذج البسيط، والفهم الساذج البسيط، هو عتبة المتطرفين. من ناحية أخرى لا يريد روبرت كاديل لروحه الساخرة أن تكون مبتذلة، ومشاعاً لفهم الجميع، فلهذا يتبع القاعدة التي تقول: كلما قل عدد الذين يفهمون كلماته الساخرة، كلما كان أفضل لروح السخرية.

السيدة ويلسون القائمة على خدمة الضيوف، والتي تستلطف روبرت كاديل، تقترب منه، وتقول له بتودد بأنها أحضرتْ الباتيه المُحبب لديه، فيقول روبرت بجفاء سريع: لم أعد أحبه. تأسف السيدة ويلسون أسفاً رقيقاً بملامح وجهها. سريعاً يرد روبرت: هذه مجرد دعابة. تبتسم السيدة ويلسون وتقول: يا لك من لئيم.

إمعاناً في الثقة بالذات، ينقل براندون الطعام والشراب إلى صندوق الكتب الخشبي، بدلاً من مائدة الطعام الأساسية، وكأنَّه يجد لذة في اقتراب الضيوف إلى أقصى حدٍ من جثة ديفيد. أثناء فرحة براندون بوصول روبرت كاديل، وتقديم الشراب له، وشرحه المتسارع لمُناسَبَة الحفل، يقول روبرت مصيباً بسهولة أعماق تلميذه براندون: أنت تتلعثم دائماً عندما تكون متحمساً.

السيد كينتلي يسأل عن ديفيد ابنه، وجانيت تسأل عن ديفيد زوج المستقبل، وروبرت كاديل يسأل عن ديفيد تلميذه، بينما يأكلون حرْفياً على جثة ديفيد، دون قصد منهم، لا بد أن هيتشكوك كان سعيداً بازدحام المعاني وقسوتها، حول صندوق الكتب الخشبي، سعيداً بالدردشة حول جثة.

يسأل المُعلّم روبرت كاديل تلميذه براندون: لماذا نأكل على الصندوق؟ يرد براندون بأنه قام بتحويل غرفة الطعام إلى مكتبة، فوضع عليها مجموعته حتى يستطيع السيد كينتلي فرزها جيداً. يتذكر روبرت طباع براندون الغريبة. يقول روبرت لجانيت بأن الصناديق كانت من موضوعات براندون المُفضَّلة أثناء الدراسة.

يقول روبرت لبراندون: رواية "أسطورة ميسلتو باو" كانت روايتك المُحببة آنذاك. تسأل جانيت عن ماذا تدور؟ يتذكر روبرت بصعوبة بأنها عن فتاة في عمر الزهور. يتوقف روبرت، فيُكمل له السيد كينتلي، وهو يأخذ لنفسه طبقاً من على الصندوق، بأن الفتاة اختبأتْ في الصندوق بهدف اللعب، ولسوء حظها أُغْلِق القفل، بسبب ارتداد لسانه، إلى أن وجدوها عظاماً نخرة، وكان عليها فستان الزفاف بعد خمسين عاماً.

ينصرف ضيوف حفل الكوكتيل للبحث عن ديفيد في أماكن أخرى. يضيف براندون لمسة أخرى لجريمته، لمسة العبقرية. يحزم براندون بضعة كتب نادرة، في طبعتها الأولى، بحبْل الجريمة. يحمل السيد كينتلي والد ديفيد، الكتب المربوطة بحبْل أنهى حياة ابنه. يُقال بأن وحشية هيتشكوك الباردة، لم تكن تُطاق لولا عودة روبرت كاديل للتأكد من جريمة براندون وفيليب، في نهاية الفيلم، تمهيداً لتسليمهما للعدالة، هذه العودة تزيل وقع الوحشية الباردة، بل يستعد المُشاهِد بتطهر مريح، لفيلم آخر، بتوقيع سيد الإثارة والرعب ألفريد هيتشكوك.            
T+ T T-