الثلاثاء 25 يونيو 2019
موقع 24 الإخباري

على هامش رسالة داود أوغلو

رئيس الوزراء التركي الأسبق أحمد داود أوغلو (أرشيف)
رئيس الوزراء التركي الأسبق أحمد داود أوغلو (أرشيف)
قبل سنوات التقيت في مؤتمر ثقافي أحد المقربين لداود أوغلو الذي كان حينها رئيساً منتخباً لرئاسة الوزراء في تركيا، وهو آخر تركي منتخب لهذا الموقع، بعد أن حول الرئيس التركي الحالي، رجب طيب آردوغان، النظام السياسي في بلاده الى نظام رئاسي.

الحنين الى "الخلافة" بقي كامناً طوال عقود طويلة يتغذى من تفسيرات دينية بانتظار أن تصل الإشارة من "اسطنبول"، وهو ما حدث مع وصول حزب التنمية والعدالة الإسلامي الى الحكم
كان حديثنا الذي تواصل أيام المؤتمر الثلاثة، خارج القاعة طبعاً، ينصب حول الإمكانيات التي قد يمتلكها حزب اسلامي تشكل على تخوم أوروبا وضواحيها، وقدرته على قيادة مجتمع مؤسس على قيم علمانية، وفرص الحصول على ثقة هذا المجتمع، بما يشمل حقوق الشعوب التي بقيت في حدود جمهورية  "كمال أتاتورك" وريثة الإمبراطورية العثمانية، وكيف يمكن أن يحقق شروط العدالة، والديمقراطية، والمواطنة، واقتصاد السوق.

ما دفع لاسترجاع ذلك الحوار الغني، بما فيها نقاط الخلاف الكثيرة، هو الرسالة التي وجهها داود أوغلو أخيراً للمجتمع التركي متجاوزاً أُطر حزبه والقنوات المعتمدة في مثل هذه الحالات، ولعل في تكرار جمل من نوع "لقد تحدثت مع رئيسنا شفهياً وخطياً"، ما يشي بانسداد هذه القنوات وعدم رغبة الرئيس، أو عدم قدرته على الإصغاء.

أسئلة كثيرة، يدفعها الفضول والإيمان أن مصير تركيا كان دائماً جزءاً من مصير المنطقة وشعوبها، وأنها حتى عندما أدارت ظهرها للشرق وثقافة المنطقة خلال سنوات التأسيس الطويلة، كانت تدير ظهرها لتاريخها وثقافتها وجغرافيتها، الجغرافيا التي لا يمكن استبدالها، والتاريخ الذي يمتلئ رغم كل شيء بالقسوة والذكريات المؤلمة، والتي تواصلت بعد سقوط الخلافة العثمانية عبر سوء فهم طويل ومتراكم، يبدأ من نقطة رغبة الشعوب العربية بالخلاص من التسلط التركي، وسوء الإدارة، وتفشي الفقر، والفساد والظلم، وعدم قدرة روح التسلط الكامنة في بعض أفكار القومية التركية على تفهم الحرية كحاجة لم يعد بالإمكان تأجيلها لدى شعوب المنطقة، لم يكن الأمر سهلا على الإطلاق، الخروج من عباءة الأستانة، وولاية الباب العالي، فقد كانت فكرة الخلافة تنبع من التاريخ نفسه، ومن نواة ثقافة الشرق، ومن أربعة قرون طويلة من الحكم، لهذا ولأسباب كثيرة، نشأت حركة عريضة وذات حواضن اجتماعية تطالب بالعودة إلى حُضن الخلافة، في مواجهة وسمت عصر النهضة بين أنصار الخلافة والقوميين العرب.

الاستدارة التي قام بها أتاتورك لم تسمح بالتقاط تلك النزعة وتركتها وحدها ضمن ما تركت، واكتفت بلواء الاسكندرونة السوري الذي احتلته القوات التركية في1939 بعد انسحاب قوات الانتداب الفرنسي، وأعلنت ضمه إلى الجمهورية التركية، نفس الطريقة التي اعتمدها الانتداب البريطاني في فلسطين، بعد ما يقارب الأعوام العشرة.

الحنين الى الخلافة، بقي كامناً طوال عقود طويلة يتغذى من تفسيرات دينية بانتظار أن تصل الإشارة من إسطنبول، وهو ما حدث مع وصول حزب التنمية والعدالة الإسلامي إلى الحكم في البلاد التركية، الذي أعاد استدارة تركيا نحو المنطقة حيث "المنتظرون" الذين واصلوا صبرهم وأطروا حنينهم للسلاطين عبر حركات، وأحزاب، وجماعات، بعد أن تم عبر الزمن تنقيتها من أي رغبة خارج "الحنين الماضوي لمجد الإسلام السني"، لعل في مركز هذه الحركات المؤطرة بصلابة وضيق أفق وجمود في فهم للمتغيرات في القوى وتوازناتها العالم يقع حزب التحرير، الذي أخرج من صندوقه شعار "العودة للخلافة" كحل سحري لكل أزمات المنطقة وشعوبها، ولكنه بسبب هذا "الوضوح العنيد" الجامد بشكل استثنائي بقي يتحرك في مساحات شعبية ضيقة، ولم يتمكن من الخروج من عزلته التي حملها في رحلته الطويلة، بينما التقط الإخوان المسلمون الفكرة مع تأخير واضح في التوقيت وانتهازية كانت دائماً العنصر المتحرك في سياساتهم، ووضعوا كل شيء على كتف أردوغان الذي تقبل الفكرة ووافق على رعايتهم.

هكذا ببساطة، كمثال، يتحول احتلال "لواء الاسكندرونة" 4800 كم مربع، ما يقارب مساحة الضفة الغربية، الى مقدمة لتحقيق الغاية، وإسقاط لحقوق النازحين من اللواء وأبنائه، بينما يواصلون الحديث دون توقف عن تحرير سوريا من إسطنبول.

المثقف التركي وهو مثقف حقيقي وله مساهمات فكرية كان واضحاً في انتمائه لأفكار حزب العدالة، رغم أنه يفتقر إلى "التقوى" التي يتطلبها مثل هذا الانتماء، فيما يتعلق بخيارات الحياة الشخصية، ركز بقوة على الدور النظري وإدارة الدولة لدى أوغلو، طبعاً بقي سؤال حقوق الشعوب معلقاً.

الآن أقرأ للمرة الثانية نص رسالة داود أوغلو للمجتمع التركي، وهي رسالة طويلة، بعد إبعاده عن مفاصل القرار، للحقيقة يمكن الاستفادة منها بقوة وفي أجزاء واسعة منها في فهم روح "الخليفة" المنتظر وفهمه للسلطة، واستدارته شبه الكاملة نحو المنطقة التي تطوع من أجل تحقيق طموحاته أتباع كُثر، يمكن الاستفادة من شجاعة النقد أيضاً عندما يكون عميقاً، وجدياً، ومتكئاً، على إمكانيات نظرية.
T+ T T-