الثلاثاء 18 يونيو 2019
موقع 24 الإخباري

إنهم يقتلون الجياد

تعبيرية.(أرشيف)
تعبيرية.(أرشيف)


لا يبدو غريبا أن تقرأ عن كاتب يمني يبيع مكتبته ليشتري الخبز لأطفاله، ولا يبدو غريبا أن ترصد رحلة مثقف فلسطيني يركب البحر ليموت في منتصف طريق اللجوء وينتهي جثة هامدة
في نفاق مكشوف ومستفز يصر مسؤولون عرب على تسمية الكتّاب "فرسان الكلمة"، وذلك من قبيل المجاملة ومحاولة إعلاء شأن الكاتب معنوياً، ربما للتغطية على انحطاط مستواه المعيشي واقعياً.

فرسان الكلمة في بلادنا منذورون للشقاء، وهم في أغلب الأحيان أسرى للقمة العيش في الحدود الدنيا لهذا العيش في زمن لا كرامة فيه لمبدع ولا قيمة حقيقية فيه للإبداع إلا في حدود الثناء اللفظي على المنتج الإبداعي.

والكتاب في بلادنا تحوّل الكثيرون منهم إلى "تجار شنطة" يطاردون لقمتهم في الصحف وفي استوديوهات الفضائيات وفي المؤتمرات والندوات المتخصصة، ويريقون ماء وجوههم في استعطاف أصحاب القرار بالتكريم، ويهربون من مواجهة استحقاقات الحياة إلى التحليق في عوالم خيالية لا صلة لها بالواقع، لكنها، مثل أحلام اليقظة، مريحة للعقل.

أعرف الكثيرين من الكتاب المبدعين الذين يحاصرهم الفقر والقهر، ويقضون جل أعمارهم في المقاهي بعد أن ضاقت بهم أروقة المؤسسات الفكرية والبحثية ودور النشر والمطبوعات التي توصد أبوابها أمام أصحاب الفكر، وتستقطب رموز التسطيح والتجهيل والتطبيل، وتغدق في العطايا والترويج لنجوم المرحلة من فنانين وفنانات تسيدوا شاشات التلفزة وأحاديث الصالونات، ومشعوذين يمتهنون قراءة البخت وتحميل النجوم مسؤولية الحاضر والمستقبل، وتجار فتاوى يرتدي بعضهم العمامة والجلباب ويظهر بعضهم بأزياء فرنسية أنيقة وربطات عنق زاهية الألوان وابتسامات شبيهة بابتسامات نجوم إعلانات معجون الأسنان.

في نظام السوق وفي المجتمع الاستهلاكي ذي الايقاع السريع لا مكان لما يمكث في الأرض وينفع الناس، ولا شيء غير الزبد الذي يذهب جفاء بعد أن يوهمنا مسوقوه بأنه مطر السماء. ولعل تراجع الإقبال على القراءة وانحسار أعداد الزائرين لمعارض الكتاب في العواصم العربية يؤكد ما نذهب إليه في وصف حالة التردي وتسطيح الوعي في مجتمعات لم تتجاوز حصاراتها ومقيداتها ومحددات حركتها ونهوضها، بل تفاقمت مشكلاتها واشتد حصارها وابتعدت أكثر من ذي قبل عن مسار طريق الوعي الجمعي الخلاق.

لذا لا يبدو غريباً أن تقرأ عن كاتب يمني يبيع مكتبته ليشتري الخبز لأطفاله، ولا يبدو غريباً أن ترصد رحلة مثقف فلسطيني يركب البحر ليموت في منتصف طريق اللجوء وينتهي جثة هامدة في البحر قبل الوصول إلى البر الأوروبي، ولا يبدو مفاجئاً تحوّل مثقف تقدمي ليبي إلى السلفية لكي ترضى به ميلشيا أصولية تطعمه خبزها المسموم.

ليس غريباً أيضاً أن يكون رواد المقاهي الكسولة في مدننا كتاباً وعاطلين علن العمل، وليس مفاجئاً اشتغال كاتب في بيع الشاي للركاب في موقف حافلات النقل العام. ففي الزمن المسطح لا مكان إلا للأدعياء وتجار الوهم.

عرفت قبل أيام أن ممثلاً عربياً لديه ثلاثة ملايين متابع لصفحته في إحدى منصات التواصل الاجتماعي، وأعرف عن يقين بأن أهم وأشهر كاتب عربي لا يطبع أكثر من عشرة آلاف نسخة من أي كتاب جديد! ورغم ذلك يقال لنا إن الكتاب هم "فرسان"!

في الواقع ليس كتابنا فرساناً ولا يطمحون بذلك لأن اقتناء الخبز أهم كثيراً بالنسبة لهم من اقتناء الخيول. بل إن الكثيرين يطمحون بأن يلقوا معاملة الجياد في عز قوتها، وألا ينحصر التشبيه في قتلها بعد العجز.
T+ T T-