الثلاثاء 19 نوفمبر 2019
موقع 24 الإخباري

فتنة مؤجّلة

عناصر من الأمن في الضفة (أرشيف)
عناصر من الأمن في الضفة (أرشيف)


الصدمة التي تسببت بها عملية اقتحام القرية، وردة الفعل الشعبية الواسعة التي أدانت المتنمرين وسلاحهم وشعاراتهم الطائفية يضاعف من بؤسها أنها تحدث في بلاد محتلة ومهددة بفاشية المستوطنين وعنصرية حكومتهم
تقع قرية "جفنا" على الطريق بين "عين سينيا" و"بيرزيت"، منطقة تتقاطع حولها سفوح التلال، وتتدفق الخضرة الكثيفة القادمة من بساتين المشمش واللوزيات. في الداخل حيث تتراكم البيوت القديمة التي تتداخل فيها أنماط عمرانية وحجارة عتيقة من حقب تاريخية مختلطة، حيث يمكن تبين برج كنيسة وحارات ضيقة تصعد السفح، في مركز هذا التكوين تقع "عين جفنا"، التي قد تكون أحد أسباب نشوء هذه القرية بأغلبية سكانها من الفلسطينيين المسيحيين.

لا يوجد تاريخ محدد لظهور عين الماء تلك بغرابة تكوينها، ولم يهتد المهتمون لمصبات النبع، اذ عليك أن تهبط 27 درجة لتصل الى نقطة تدفقها، ولكن من المؤكد أنها كانت هنا منذ مئات السنين، وكانت تهبط وتزداد أدراجها كلما بني على السطح طبقة حضارية جديدة، السرديات الشفاهية المتداولة تتفق على سبع طبقات. ولكن العين ظلت تسقي القرية وعابري الدروب قروناً طويلة حتى بناء شبكة مياه حديثة في العام 1973 حيث تناقص النازلون على أدراجها، في الأعلى وفي الليالي الهادئة يمكن التقاط صوت تدفق المياه في العتمة.

في السرد أيضاً ستمر السيدة العذراء من القرية في طريقها إلى "بيت لحم"، لعل هذه الحكاية البسيطة التي تسعى خلف خطوات "مريم" وهي تطوف قرى وبلدات فلسطين، في واحدة من أقسى رحلات النساء خلف مصير ابنها الاستثنائي، هي أيضا من أسباب نشوء القرية.

عام 1948 تبرعت القرية بالمساحة المقابلة من أرضها لإنشاء مخيم للاجئين الذين وصلوا السفح من مناطق الـ48، هناك أقيم مخيم الجلزون.

هذه مقدمة مختصرة لسيرة إحدى قرى رام الله والتي تتقاطع مع سير الريف الفلسطيني المتشابهة حد التكرار، ولكنها ضرورية للحديث عن فداحة الأحداث التي تعرضت لها القرية الأسبوع الماضي من قبل مجموعة مسلحة اندفع أفرادها "بأسلحتهم" في شوارعها وهم يتهددون أهلها ويرجمون شبابيك البيوت بالحجارة والمولوتوف، في ظاهرة تنمّر صادمة.
الأسباب كما اتضح فيما بعد تعود إلى توقيف الشرطة الفلسطينية لأحد الشبان الذي تسبب بمضايقة لسيدة من القرية كانت تصطحب أولادها، حادث مروري وصل إلى القانون، ونفذ بقوة القانون دون تجاوز او تعسف، ورفضت السيدة التنازل عن حقها الشخصي تاركة الأمر للإجراءات المتبعة في مثل هذه الحالة.

الصدمة التي تسببت بها عملية اقتحام القرية، وردة الفعل الشعبية الواسعة التي أدانت المتنمرين وسلاحهم وشعاراتهم الطائفية، شعارات بغيضة تعكس ثقافة بائسة وجهلاً بتاريخ التعايش في هذه البلاد وبالواجب الوطني الملقى على عاتق سلاحهم، يضاعف من بؤسها أنها تحدث في بلاد محتلة ومهددة بفاشية المستوطنين وعنصرية حكومتهم وجيشهم، دفعت بقوة إلى محاولة إغلاق الثغرة عبر "مصالحة وطنية"، وهو الاسم المحسن لـ"العطوة العشائرية".

هذا اجتهاد شعبي قد يساعد في تهدئة الخواطر وامتصاص شيء من الصدمة، ولكنه سيبقى قاصراً تماماً في مواجهة التداعيات العميقة للحادثة نفسها، وفي محاولة الالتفاف على القانون تحت شعار "وأد الفتنة"، هذه عملية تأجيل لفتنة قادمة وتنمّر قادم، إذ إن مصدر مثل هذه السلوكيات كامن في ثقافة تجاوز القانون وتحييده، وتحويل "التقليد الشعبي" إلى طريق التفافي جانبي يمنح الجهل ممراً آمنا لفتنة مؤجلة، ولا يمنح المواطن الشعور بالأمان بل يعزز القلق والشك في جدية فكرة المواطنة وعدالتها.

هذا اختبار لا ينبغي أن تسقط فيه حكومة "شتية"، ولعله فرصة أيضاً لتوضيح موقفها ومفهومها عن المواطنة والقانون.
T+ T T-