السبت 20 يوليو 2019
موقع 24 الإخباري

التعليم الديني ومواجهة التطرف

أطفال في مدرسة تعليم دينية (أرشيف)
أطفال في مدرسة تعليم دينية (أرشيف)


مطلب إصلاح التعليم الديني يعود إلى مطلع القرن العشرين. وقد استجاب له جزئياً بعض الدارسين فنشأ البحث التربوي في العلوم الشرعية
لم يعد علاج التطرف الديني، المفضي إلى العنف والإرهاب، بزيادة "الجرعة الدينية" الوسطية أو المعتدلة في مضمون تعليمنا ومناهجه، هو الحل السحري كما يطرحه بعض وعاظ الدين، ودعاته وخطبائه، الذي بوسعه أن يواجه بحسم المتطرفين دينياً، إنما ما نحتاجه بالدرجة الأساسية هو "زيادة الجرعة العلمية" التي تعني في جوهرها نشر وترسيخ التفكير العلمي على نطاق واسع، لاسيما بين الشباب، بما يمكنهم من حيازة القدرة على النظر بعمق، ومساءلة كل ما يسمعونه، أو يقرأونه في الدين وحوله، أياً كان من ينطق به أو يكتبه.

ومع هذا، فإن أولئك الذين يؤمنون بأن التطرف قائم بالأساس على تعليم ديني مغلوط، ومن ثم يتطلب الأمر تصحيح هذا النوع من التعليم، لن يكفوا عن طرح وجهة نظرهم تلك، التي لا تزال تلقى قبولاً لدى دوائر اجتماعية وفكرية واسعة، فضلاً عن أنها تترجم مصالح أفراد ومؤسسات تقوم على التعليم الديني، وتتوسل به في تحصيل الرزق، ونيل المكانة الاجتماعية، وتحقيق الطموح الشخصي لدى القائمين على إلقاء دروس الدين في المساجد والمدارس وبعض الجميعات الأهلية.

من هنا لا بد أن يؤخذ هذا الاتجاه في الحسبان، ونحن نبحث عن توظيف التعليم في محاربة التطرف العنيف والإرهاب، لاسيما أنه لا يتناقض بالضرورة، إن تم في إطار تجديد حقيقي، أو إصلاح ناجز للخطاب الديني، مع العمل الخلاق والمستمر على نشر التفكير العلمي في ربوع المجتمع، خاصةً إذا عرفنا أن مطلب إصلاح التعليم الديني يعود إلى مطلع القرن العشرين.

وقد استجاب له جزئياً بعض الدارسين فنشأ البحث التربوي في العلوم الشرعية، ونما الحرص على إنجاز مساقات ومناهج في طرق التدريس، والتقويم وأساليبهما لدارسي العلوم الدينية، وفحص علاقة النص بالتاريخ، لبناء معرفية دينية أكثر نضجاً، ومحاولة فهم أسباب تردي هذا الصنف من التعليم التي لا يمكن فصلها عن التخلف المادي، والتقني، والتردي الأخلاقي.

وهناك عوامل موضوعية تجعل عدم إهمال هذا الاتجاه تصرفاً حصيفاً، منها:

1 ـ لن يتوقف الطلب على تحصيل علوم الدين، أو حيازة المعرفة الدينية، في ظل تغلغل الدين في تفاصيل الحياة الاجتماعية، وتلبيته الاحتياجات النفسية للأغلبية الكاسحة من الأفراد في مجتمعاتنا. ولعل من يتابع طلب الفتوى من مؤسساتها الرسمية، أو من الوعاظ الذي يطلون على الناس على الشاشات الزرقاء، أو يحدثونهم من وراء الميكرفون في الإذاعات، وفوق المنابر، يستقر في يقينه أن هذا الطلب قوي، بل جارف، وهي مسألة، تستغلها بمكر ودهاء "الجماعات والتنظيمات السياسية الدينية"، التي تدفع بعض رجالها للقيام بهذه المهمة، بغية ملء المجال العام بتصورات دينية، يتم توظيفها فيما بعد في عملية التعبئة والحشد خلف هذه الجماعات، وهي تسعى لتحقيق أهدافها السياسية.

2 ـ وجود ما يسمى بـ "المنهج الخفي" في مدارسنا وجامعاتنا، وهو ذلك الذي يمرره المدرسون والأساتذة في ثنايا المساقات العلمية، والمعرفية، والفكرية التي يدرسونها، خاصةً في العلوم الإنسانية المتماسة مع الدين مثل الفلسفة، والاجتماع، والقانون، وعلم النفس، والسياسة، واللغة العربية، وغيرها.

وبعض هؤلاء، لاسيما في الجامعات، حرصوا دوماً على أن يكتبوا فصولاً في مطلع كتبهم حول موقف الدين من العلوم التي يدرسونها للتلاميذ والطلاب، معتبرين أن هذا دليل على تمسكهم بالخصوصية الحضارية.

وتزيد هذه المسألة في مراحل التعليم الأساسي، حين يتدخل المدرسون المنتمون إلى ما يسمى "المشروع السياسي الإسلامي" لأسلمة الكثير من المعارف، أو جر الحديث إلى مساحة الدين، بأي طريقة، حتى يكون بوسعهم أن يرسخوا مقولات وتصورات في أذهان متلقي العلم والمعرفة.

وقد فطنت "الجماعات الدينية السياسية" إلى هذه المسألة فحرصت، منذ وقت مبكر، على تجنيد عدد كبير من المدرسين في صفوفها لينتظموا فيها، أو الاكتفاء بجذبهم إلى تصوراتها الأساسية دون أن تلزمهم بالانتماء المباشر إليها، وتتركهم ليبثوا في أذهان التلاميذ والطلاب ما تسعى إلى نشره من أفكار، تنبع بالأساس من أدلجة الإسلام، وحصره في مشروع "دولة" تعمل هذه الجماعات ليل نهار على إقامتها، حتى لو كان يتناقض بالكلية مع الإسلام الدعوة الخاتمة إلى البشر أجمعين.

3 ـ وجود مدارس للتعليم الديني بالفعل في كثير من المجتمعات العربية، مثل المدراس، والمعاهد، والكليات الأزهرية في مص،ر والزيتونة في تونس، والمدارس الدينية في باكستان، والحوزات الشيعية في إيران، والعراق، علاوةً على وجود مدارس تابعة لبعض الجماعات السياسية، مثل المدارس التابعة لجماعة الإخوان و"الجمعية الشرعية للعاملين بالكتاب والسنة" في مصر، وهي تجارب متكررة في بلدان عربية وإسلامية عدة.

4 ـ لا يخلو واضعو المناهج الدراسية الرسمية من منتمين إلى هذا الاتجاه، فيعملون جاهدين على تمرير أفكارهم في ركابها، يدفعهم إلى هذا ولاؤهم لها، أو انصياعهم لما يتلقونه من أوامر أو توجيهات من القائمين عليها، في سبيل توسيع الوجود الفكري لتلك الجماعات، التي تمتلك قدرة هائلة على التغلغل في المؤسسات والهيئات والمنظمات الرسمية، ومنها التعليمية بالطبع.

5 ـ في إطار دفع المدارس والجامعات المدنية عن نفسها التهمة التي توجهها إليها الجماعات الدينية السياسية بأنها تقوم على بـ"تغريب" التعليم أو "علمنته"، تحرص هذه المؤسسات على الإبقاء على الجرعة الدينية قائمةً في مساقاتها الدراسية.

لذا يمكن أن نجد وجاهة وكياسة وحصافة في وجهة نظر أولئك الذين يعتقدون أن التطرف نابع من تعليم لا يراعي الاعتدال أو الوسطية، لمناقشة مقولاتها، ووضعها في مضاهاة بين ما يضعه الإسلام من تصورات نابعة من نصه المؤسس وهو "القرآن الكريم" وبين ما تحاول "الجماعات الدينية السياسية" أن تطرحه باسم الإسلام من أفكارها أو أيديولوجيتها الرامية إلى بناء مشروع أيديولوجي صرف.
T+ T T-