السبت 25 مايو 2019
موقع 24 الإخباري

سرديات متهالكة ونقد مأزوم

فلسطينيون يشعلون إطارات في غزة (أرشيف)
فلسطينيون يشعلون إطارات في غزة (أرشيف)
رغم أهمية المراجعة حين تصل القيادات والقضايا إلى مفترقات الطرق ونهايات الأنفاق باتت دعوات العقلاء إليها أقرب إلى العبث في المشهد السياسي الفلسطيني المفرط في غرابته.

من الطبيعي أن ينتهي الميل لتأويل التاريخ وتجييره في خدمة السرديات المتداولة إلى التطبيل لانتصارات وهمية وأبوات ورموز وتغييب الكثير من هوامش مشروع "ثورة" غدرها أبناءها
ضرورات النقد والمراجعة والوقوف عند الأخطاء حاضرة على الدوام بالنسبة لقضية تتزايد تعقيداتها بين يوم وآخر، وليست وليدة مناخات صفقة القرن ونهاية ما كان يتم تعريفه بالمشروع الوطني بعد تلاشي أوهام حل الدولتين، أو بسبب فشل اتفاق أوسلو، وسقوط مبررات التنسيق الأمني.

يقابل هذه الضرورات ميل لإعادة قراءة التاريخ بما يتوافق مع محاولات تبرير الإخفاقات والنتائج الوخيمة التي تصل إليها القيادة الفلسطينية وتحميل مسؤولياتها للشرق والغرب وتعليق الأخطاء الذاتية على شماعة الظلم التاريخي الذي لحق بالشعب الفلسطيني.

ومن الطبيعي أن ينتهي الميل لتأويل التاريخ وتجييره في خدمة السرديات المتداولة إلى التطبيل لانتصارات وهمية، وأبوات، ورموز، وتغييب الكثير من هوامش مشروع "ثورة" غدرها أبناؤها وانكفأت عن عمقيها القومي والأممي ولم يبق أمامها سوى التخلي عن أهدافها، وتحميل الظرفين العربي والدولي مسؤولية الهزائم التي لحقت بها.

حضور النقد في هذه الأجواء يقتصر على الاكتفاء بمداعبة جوهر الأزمات باستحياء أو طرح وجهات نظر لتخطئة أخرى، وربما ركوب موجة هنا أو هناك ما يُبقي النقاد في دائرة مراعاة المسكوت عنه لأسباب مختلفة بينها غياب جرأة مواجهة تيارات النقد المضاد، أو الحرص على بقاء بنية تحالفات هشة وأشكال علاقات فصائلية باتت عبئاً على الفلسطينيين في مختلف أماكن وجودهم.

لا يخلو الأمر من خضوع الطرح النقدي العتيد للتكييف والتوظيف الفصائلي، أو محاباة طرف دون آخر من أطراف الأزمة قد يكون مسؤولاً عن الخراب بذات القدر الذي تتحمل مسؤوليته الأطراف الأخرى.

في كثير من الأحيان لا يأتي تحدي السردية المتهالكة من النقاد أو الضجرين بل من الخصم التاريخي الذي يقطع أشواطاً واسعة في تفكيك القضية وتصفيتها، وربما نقلها إلى مربع آخر، وتواجهه القيادة الرسمية الفلسطينية بأداء يخدم مشروعه على المديين المتوسط والبعيد.

تدني منسوب التفكير النقدي والبحثي الحقيقيين في الحالة الفلسطينية والبحث عن عكازات لرواية رسمية متهافتة أمام الأحداث المتلاحقة وتراكم الأسئلة وتناسلها، يبقي الجمهور الفلسطيني في انتظار ما تجود به وثائق "بريطانية" أو "أمريكية" بعد سنوات ربما تطول أو تقصر، حسب الحاجتين البريطانية والأمريكية لتوظيف الوثيقة، وقد تكون تبعات الكشف عن هذه الوثائق في المشهد الفلسطيني مشابهةً للتي تركتها وثائق ويكليكس في المنطقة والعالم، ما يعني صدمات جديدة تدخل الفلسطينيين في غربة أخرى عن تاريخهم، وواقعهم، وتزيد من قتامة مستقبلهم وانسداد آفاقهم .
T+ T T-