الإثنين 24 يونيو 2019
موقع 24 الإخباري

"المقاطعة" ولغة الخطاب

العلم الفلسطيني في مسابقة يوروفيجن.(أرِشيف)
العلم الفلسطيني في مسابقة يوروفيجن.(أرِشيف)


أظهرت هذه النتائج قوة وفعالية حركة المقاطعة، وقدرتها على التأثير في الأوساط الشعبية في العالم، متجاوزة المخيلة الراكدة للنخب السياسية الغربية
عملياً تحوّل حفل الأغنية الأوروبية "اليوروفيجن" الذي أقيم في تل أبيب إلى "كارثة"، سواء بالنسبة للمنظمين الأوربيين أو لإسرائيل أو للوزيرة العنصرية "ميريام ريجيف" التي أصرت على تنظيم المهرجان في القدس بموازاة احتفالات "الدولة" بـ"استقلالها"، وستتراجع عن ذلك أمام موجة رفض عالمية وستنقله إلى تل أبيب في محاولة، لم تنجح، لإنقاذه.

بدأت نذر الكارثة مبكراً عبر حملة واسعة من حركة "المقاطعة"، ومن خلال تواصل الإعلان عن "عدم المشاركة" في المهرجان من فنانين وفرق فنية عالمية وتنظيم مهرجانات موازية، وتوجيه رسائل للمشاركين ودعوتهم لمقاطعة دولة الاحتلال وعدم منحها فرصة للتغطية على جرائمها، بما فيها رسالة من والدة غزية لـ"مادونا"، ضيفة الشرف في الاحتفال، قتل الجيش الإسرائيلي ابنها على السياج.
كانت تلك ظاهرة يواجهها منظمو المهرجان للمرة الأولى، ما وسم العدادات لأكبر تظاهرة فنية عالمية بعد تظاهرات البطولات الكروية الأوروبية، بالارتباك وتعثر الإدارة وغياب الحيوية والثقة التي عادة ما ترافق الحدث.

"المقاطعة" شملت الجمهور الذي يتبع المهرجان عادة، جمهور شبابي أوروبي في الغالب، يشكل فرصة سياحية ثمينة، يتبع محطات إقامة الحدث كل عام، ويقدر بعشرات الآلاف، "برشلونة" المحطة ما قبل الأخيرة اقترب العدد من 100 ألف، بينما وصل عدد المتابعين عبر قنوات التلفزة وإنترنت مئات الملايين،(الأرقام في إسرائيل وصلت في حدها الأعلى 7 ألاف ).

بددت الفرقة الأيسلندية "هاتاري" ما بقي من آمال "ريجيف" عندما رفعت الأعلام الفلسطينية وعبارات "فلسطين حرة" أمام جمهور القاعة المذهول وعبر البث العالمي في الليلة الختامية، بينما أجهزت راقصة من فرقة "مادونا" على كل شيء عندما ظهر العلم الفلسطيني على ظهرها أثناء العرض. وبدا أن تكاليف مشاركتها التي تبرع بها مليونير اسرائيلي/ كندي، تحولت إلى سلسلة من الخسارات، بينما أضيف الى إخفاقات الوزيرة العنصرية إخفاق جديد.

أظهرت هذه النتائج قوة وفعالية حركة المقاطعة، وقدرتها على التأثير في الأوساط الشعبية في العالم، متجاوزة المخيلة الراكدة للنخب السياسية الغربية، التي تحاول الحد من تأثيرها تحت شعار "معاداة السامية" المستهلك، البرلمان الألماني مؤخراً، والولايات المتحدة قبل ذلك، وهو قانون رفضته ثلاث ولايات أمريكية حتى الآن....

يمكن هنا إدراج قائمة طويلة من المقاطعين، أو المعتذرين عن فعاليات شبيهة بسبب ضغوط الحملة مثل تراجع اتحاد كرة القدم الأرجنتيني ونجمه "ميسي" عن المشاركة في لقاء مع أحدى الفرق الإسرائيلية، وهي من أفكار "ريجيف" واخفاقاتها أيضاً، كذلك اعتذار المغنية العالمية "شاكيرا" والعديد من الأكاديميين والمثقفين في مختلف دول العالم.

الجدل الذي أثير في فلسطين جاء على إثر تصريح صدر عن حملة المقاطعة يتناول موقف الفرقة الإيسلندية "هاتاري"، ويصفه بـ"التضامن الزائف"، معتبراً أن المشاركة هي اختراق لشروط المقاطعة. ثمة ما يمكن وصفه بـ"التعالي" في صيغة التصريح، خاصة وأن تاريخ الفرقة يشير إلى أن تضامنها مع الحقوق الفلسطينية ليس وليد تلك الليلة، وأن اجتهادها في التعبير عن هذا التضامن لا ينسجم تماماً ولا يخضع لشروط "الحملة" وأنظمتها.

ثمة حلقة مفقودة هنا في توجيه الخطاب، حلقة توضح غياب مستويات هذا الخطاب والجهات المستهدفة، وتحديد الاختلافات بين المؤسسات والأفراد، فلسطين، المنطقة العربية والعالم، هناك فروقات في الالتزام والمسؤوليات والمطالب ينبغي أن تكون واضحة في الخطاب.

هناك ضرورة للابتعاد عن لغة التكليف والمحاسبة السطحية، وتوسيع مساحات الحوار، خاصة وأن هناك حملة مضادة ومنظمة تقودها الأوساط الإسرائيلية ومؤيدوها، بميزانيات مفتوحة تسعى لربط "المقاطعة" بشعارات من نوع "معاداة السامية" وبناء شبكة من القوانين تعزز هذا التوجه، وهو ما ينبغي مواجهته بذكاء وهدوء وحكمة. 
T+ T T-