الإثنين 26 أغسطس 2019
موقع 24 الإخباري

أسمر يا أسمراني!

ملصق فيلم جالي بوي (أرشيف)
ملصق فيلم جالي بوي (أرشيف)


تبيّن لي وجود ثورة عالمية ضد المعايير الجمالية ذات المركزية الأوروبية التي طالما فرضت علينا تمجيد البشرة فاتحة اللون
في مرة واحدة فقط، تمنيت الانعتاق من تهذيبي وهدوئي الزائد في صالات السينما. ليذهب ملتهمو الفشّار إلى الجحيم، فذلك المشهد الذي لم يتجاوز طوله نصف الدقيقة مثّل لي ثورة مصغرة على الشاشة!

أجل. ثورة تجسدت في قيام بطلة الفيلم البوليوودي الناجح "جالي بوي" بحمل علبة الطلاء البخاخ، وتشويه لافتة إعلانية ضخمة لإحدى المنتجات العالمية لتفتيح البشرة.

"سمراء البشرة وحسناء"، كتبت الشخصية الهندية الفخورة على اللافتة، في إشارة لاذعة إلى منتج "فير آند لوفلي" الشهير، والذي يعني اسمه باللغة الإنجليزية "أبيض البشرة وجميل".

ولكن اقتحام عالم غوغل أزاح عني غشاوة الجهل والحماسة المفرطة، فاكتشفت أن المشهد ربما لم يكن فريداً من نوعه حقاً.
تبيّن لي وجود ثورة عالمية ضد المعايير الجمالية ذات المركزية الأوروبية، والتي لطالما فرضت علينا تمجيد البشرة فاتحة اللون.

إنها ثورة بالفعل، حتى وإن كان تحرّكها ضد هذه المنتجات قد جاء مبدئيا لما تحتويه من مكوّنات خطيرة، مثل الزئبق والهيدروكينون، والتي تُلحق أضرارا بالغة بالجلد، والكلى، والكبد. ناهيك عن التأثير المحتمل على نمو الأجنة في حال حمل المرأة.

فبلدي الإمارات –مثلاً- منعت استخدام أي منتج يحتوي على الهيدروكينون دون وصفة طبية، وقد سبقتها دول آسيوية عدة -مثل كمبوديا-، حيث يُعتقد بأن بعض هذه المنتجات رديئة التصنيع تسببت بوفاة فتاة في 2010.

ثم امتد الحظر إلى القارة السوداء، والتي تعد سوقاً خصباً للغاية لكريمات تفتيح البشرة. فمطلع عام 2019 فحسب شهد منع رواندا وغانا لها، وخلال الأشهر القليلة المقبلة، من المنتظر أن يمتد المنع إلى عدة دول بشرق القارة، منها جنوب السودان، وكينيا وتنزانيا.

وحينما اعتقدت بأن الرفض ربما لا زال يقتصر على طبقة المسؤولين وصنّاع القرار، أي أولئك المدعومين بنتائج التحاليل المخبرية حول آثار تسمم الزئبق، والمتخوّفين من الأضرار الصحية الواسعة لاستخدامها، جاءت مسابقة ملكة جمال الهند لتصحح عدستي المعطوبة...مجدداً.

فقد شهدت البلاد جدلاً شعبياً واسعاً خلال الأيام القليلة الماضية حول كون جميع المشاركات في المسابقة دون استثناء من الهنديات ذوات البشرة الفاتحة، وكأنما وقفن جنباً إلى جنب ليصورن إعلاناً لطيب الذكر "فير آند لوفلي"!

لقد تسرّب الوعي حتى لم يعد مقتصراً على وزارات وهيئات الصحة المتوجسّة من الستيرويدات التي تعجّ بها كريمات تفتيح البشرة. أصبح هناك أشخاص "عاديين" مثلي ومثلكم ممن لا يحفظون المصطلحات الطبية الصعبة، ولكنهم يتقززون من فكرة التملّص من ألوان بشراتهم، حتى وإن أقسم لهم المنتجون أغلظ الأيمان على سلامة منتجاتهم.

فلم لا زلنا نتهاون إذاً، ونبدي صبراً لا محدوداً، للمؤثرين والفاشينيستات و"مدوّني الجمال" الذين يروّجون لخرافة "البياض نصف الحسن" المتوارثة، ويبيعون مثل هذه المنتجات؟

لنثبت بأن وعينا يحارب منتجات تفتيح البشرة كمبدأ عنصري بغيض، وليس لمجرد كونها أنابيب من الأسقام المعلبة.
T+ T T-