الأحد 25 أغسطس 2019
موقع 24 الإخباري

كيف عزز أردوغان ثقافة العنف السياسي في تركيا؟

زعيم حزب الشعب الجمهوري المعارض كمال كيليتشدار أوغلو (أرشيف)
زعيم حزب الشعب الجمهوري المعارض كمال كيليتشدار أوغلو (أرشيف)
أشار الصحافي بوراك بكديل في مقال نشره معهد "غايتستون إنستيتيوت" الأمريكي إلى تنامي ثقافة العنف السياسي في تركيا في ظل حكم حزب العدالة والتنمية ورئيسه رجب طيب أردوغان.

في عرض عنيف حديث، كاد مناصرو أردوغان يعدمون رئيس حزب الشعب الجمهوري كمال كيليتشدار أوغلو. في أبريل (نيسان) الماضي
يشرح بكديل أن المواطنين في الدول الأكثر تحضراً يذهبون إلى صناديق الاقتراع يوم الانتخابات، ثم يدلون بأصواتهم قبل العودة إلى منازلهم، ومتابعة الأخبار عن النتائج. وفي اليوم التالي، يذهبون إلى العمل، بعضهم مسروراً والبعض الآخر خائب الظن، حتى موعد الانتخابات التالية. ولكن ذلك لا يحصل في تركيا ذلك أن السباق السياسي فيها يشبه الحرب أكثر مما يشبه تنافساً ديموقراطياً.

يكمن أحد أسباب ذلك في هيمنة سياسات الهوية على البلاد، والتي تمتد جذورها إلى خمسينات القرن الماضي، حيث تطورت تركيا إلى دولة متعددة الأحزاب. ويستمر الصراع بين "نحن" و "هم" منذ ذلك التاريخ.

ثمة ثقافة تبرمج غالبية الجماهير غير المثقفة على تحويل رأي "الآخر"، وإن لم يكن ذلك ممكناً، تبرمجها لإيذاء "الآخر". إن الاستقطاب المجتمعي العميق، منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم، توسع إلى مستويات مخيفة.

مهاجمة الصحف.. عمل جهادي
ليست الحوادث التي يواجهها الصحافيون المعارضون مصادفة، وفي سبتمبر (أيلول) 2015، هاجمت مجموعة من الحزب الحاكم مقرات صحيفة حرييت،  أوسع الصحف انتشاراً في تركيا وكانت تابعة للمعارضة.

حطم الحشد النوافذ بالعصي، والحجارة، مطلقين صيحات التكبير، كما لو كانوا في حرب دينية. في الواقع، ظن الحشد أنه كان يخوض حرباً مماثلة، لأنها كانت صحيفة علمانية منتقدة لأردوغان. ولفترة طويلة، شاهدت القوى الأمنية الحوادث بفريق وحيد من الشرطة. أنزل الحشد العلم عن مجموعة دوغان التي كانت تملك حرييت وأحرقته. وبعد مطالب متكررة، نُشر المزيد من عناصر الشرطة.

كان نائب الحزب الحاكم عن مدينة اسطنبول ورئيس فرع الشباب في الحزب نفسه عبد الرحيم بوينو كالين، ضمن الحشد. وقال عبر تويتر: "نتظاهر ضد الأخبار الكاذبة أمام حرييت ونحن ننشد آيات من القرآن لأجل شهدائنا". ويعلق بكديل على ما حصل بأن مهاجمة صحيفة كان عملاً جهادياً عند هؤلاء.

ضلوع مكسورة
بعد شهر، كان أحمد هاكان، كاتب عمود في صحيفة حرييت ومقدم برامج في شبكة سي أن أن تورك خارج منزله. ولاحق أربعة رجال في سيارة سوداء هاكان حين كان عائداً إلى منزله قبل الاعتداء عليه بالقرب منه.

عولج الإعلامي من أنف وضلوع مكسورة. وقبل أشهر قليلة من هذه الحوادث، اتهم أردوغان مالك حرييت بأنه "محب للانقلاب" واتهم الصحافيين بأنهم "دجالون". وتأسف الكاتب لأن الآونة الأخيرة لم تكن أكثر سلمية.

في 31 مارس (آذار)، حين ذهب الأتراك إلى صناديق الاقتراع لانتخاب رؤساء بلدياتهم، أدى العنف في يوم واحد إلى مقتل 6 أشخاص وجرح 115 شخصاً، ضرباً بالعصي، أو طعناً بالسكاكين، أوبإطلاق النار. بعد أيام قليلة، ارتفع عدد القتلى.

لكمٌ ومطالبات بالهدم والحرق
في عرض عنيف حديث، كاد مناصرو أردوغان يعدمون رئيس حزب الشعب الجمهوري كمال كيليتشدار أوغلو. ففي أبريل (نيسان) الماضي، ذهب كيليتشدار أوغلو إلى بلدة صغيرة قريبة من أنقرة لحضور جنازة جندي قضى خلال مواجهات مع مقاتلين انفصاليين أكراد، وهناك تعرض للهجوم من قبل حشد قومي، وتمت مرافقته إلى منزل قريب لحمايته. بعدها، حاصر الحشد المنزل، وهتف مطالباً بإحراقه وهدمه. وتبين أن الرجل الذي لكم أوغلو، مسؤول في حزب العدالة والتنمية.

أُفرِج عن المهاجم عثمان ساريغون مباشرة بعد احتجازه لفترة وجيزة. وفي اليوم التالي أصبح بطلاً. وتقاطر محبو أردوغان على مزرعته لتقبيل يديه مظهرين له أعلى درجات الاحترام، بعد هجومه على زعيم المعارضة.

ضرب بعصي بايسبول
كل قضية عنف سياسي مرت بلا عقاب لصالح أيديولوجيا الدولة المهيمنة أي الإسلاموية، وزعيمها المقدس، تشجع بروز القضية التالية. ففي مايو (أيار)، هوجم صحافي ناقد لحكومة أردوغان، وحلفائه القوميين وعُولج في المستشفى.

وأشارت صحيفة يني تشاغ إلى أن كاتب العمود ياوز سليم دميراغ، تعرض للضرب على يد خمسة أو ستة أشخاص، استخدموا مضارب بايسبول بعدما ظهر في عرض تلفزيوني. وهرب المعتدون بسيارة.

هل أنت شجاعة؟
شخصت إصابة غوكنور دامات 34 عاماً التي تعمل في مجال التجميل، بسرطان الثدي في 2017، أطلت السيدة عبر شاشات التلفزيون باكية قائلةً، إن الأطباء أخبروها بأنها لن تعيش أكثر من ستة أشهر. كسبت دامات تعاطف أردوغان والشعب، وتلقت دعوة لزيارة الرئيس الذي وصفها بـ "ربيبته".

أصبحت دامات مدللة لدى مناصري الحزب الحاكم، ازدهرت أعمالها، وشفيت بعد صراعها مع المرض. لكنها تبرعت أخيراً بـ 3.50 دولارات لحملة المرشح المعارض في انتخابات اسطنبول.

انتشر خبر تبرعها بطريقة بين الجمهور ما جعل مؤيدي أردوغان ينتقدون تصرفها. وحين وصلت إلى منزلها اقترب منها رجل وسألها: "هل أنت شجاعة؟" ثم طعنها في ساقها. المهاجم، مثل معظم الآخرين، بقي مجهلاً.

وختم بكديل قائلاً إن تركيا لم تكن يوماً بالنضج السياسي والتسامح والثقافة التي تتمتع بها الدنمارك أوالنرويج، لكنها تقترب بشكل خطر لتكون مثل إحدى جارتيها، في الجنوب أو في الشرق.

T+ T T-