الأحد 20 أكتوبر 2019
موقع 24 الإخباري

إيران لن تتوقف

سفينة تطفئ الحريق في ناقلة النفط التي تعرضت لهجوم في بحر عمان أمس (أ ف ب)
سفينة تطفئ الحريق في ناقلة النفط التي تعرضت لهجوم في بحر عمان أمس (أ ف ب)


سلامة ناقلات النفط وسلامة السفن في البحر هي قضية القضايا الآن، وهذا ما ينبغي أن نتحرك باتجاهه
دعونا نحاول أن نتصور الطريقة التي تفكر بها الجمهورية الإيرانية، فالحكم على الأشياء فرع عن تصورها. تخريب السفن التجارية قبالة السواحل الإماراتية، ثم استهداف مطار أبها المدني وأخيراً ضرب ناقلات النفط في خليج عمان. ما الغرض من هذه الأعمال الاستفزازية، وهل تسعى إيران إلى الحرب فعلاً؟ هل هي قادرة على خوض حرب أخرى بالإضافة إلى الحرب التي تخوضها في سوريا وغيرها؟ ينبغي ألا نستعجل في النفي ولا في الإثبات، فالجمهورية الإسلامية الإيرانية التي أسسها آية الله الخميني في عام 1979 هي دولة دينية مذهبية توسعية تهدف إلى ابتلاع ما يمكنها ابتلاعه من دول الجوار، وهذا مُدوّن في كتاب الخميني "الحكومة الإسلامية وولاية الفقيه". فقد صرّح هناك بأنه لا يعترف بحكومات الخليج العربي وأنه يدعو للثورة عليها. وقد انطلق لتحقيق غايته موظّفاً التشيع السياسي، رغم سحقه للشيعة العرب في الأحواز وشنقه لزعمائهم.

إنها دولة توسعية بلا ريب، لكنها أيضاً دولة لا تخلو من براغماتية السياسة وأسلوب الكر والفر، فنظام الخميني أعلن من أول يوم وصل فيه إلى السلطة أنه لا يعترف بدولة إسرائيل. لا ضرر في هذا، لكنه لم يطلق رصاصة واحدة على إسرائيل لأنه يعلم أنها قادرة على تدميره في فترة وجيزة. بدلاً من إسرائيل، اختار الخميني استفزاز العراق في زمن صدام حسين الذي أدرك جيداً أن الجار الجديد نظام توسعي جاد في الوصول إلى أهدافه فبادر صدام بإعلان الحرب التي لم يكن هناك منها بد، وانتهت تلك الحرب بهزيمة الخميني وتجرعه لكأس الهزيمة التي كانت أقسى من السمّ.

من أحداث تلك الحرب التي قد لا يصدقها الناس اليوم، أن الطيارين العراقيين الذين ينتمون طائفياً للمذهب الشيعي كانوا يصعدون طياراتهم الحربية ويضربون الأهداف الإيرانية باسم العراق والعروبة، إذ لم يكن المد الأصولي بهذه القوة في تلك الأيام. إلا أن الغلطة الكارثية الذي وقع فيها صدام باحتلاله للكويت أضعفت الجامعة العربية وأعادت إيران مرة أخرى إلى طريق مشروعها التوسعي والسعي نحو الهيمنة، والعمل على تحريك التشيع السياسي من جديد. وها هي قد هيمنت على أربع عواصم عربية تحلم بالخلاص منها. هذه الهيمنة المشاهدة هي الجواب على ضعاف العقول، أو ذي النيات السيئة الذين يشككون بين حين وآخر في شرعية عاصفة الحزم، فلو أن "تحالف دعم الشرعية في اليمن" لم يقم، ولو أننا تركنا اليمن لإيران وذراعه العسكري المتمثل في الحوثيين، لكنّنا اليوم على حدود أبها والباحة والطائف، نحاول استرجاعهن منهم. هذا كله تاريخ احتجنا إليه لنصل إلى النقاط التالية، وكل واحدة منهن تؤدي إلى الأخرى.

أولاً، العقوبات الاقتصادية التي فرضتها إدارة الرئيس ترامب على إيران هي حرب حقيقية، وإن كانت اقتصادية، فقد تضررت إيران كثيراً بعد حظر النفط الإيراني. هذه الحرب اتضح منها هشاشة الاقتصاد الإيراني، فقد صرّح البنك الدولي أن إيران ستكون في أسفل قوائم النمو الاقتصادي. ومع هذا، فإن توقعات البنك الدولي تعتبر لطيفة مقارنة بتوقعات صندوق النقد الدولي التي قررت أن إيران ستواجه نمواً سلبياً بنسبة 6% في هذه السنة منذ أن مزّق الرئيس ترامب صفقة الاتفاق النووي مع إيران في مايو (أيار) 2018. هذه العقوبات الاقتصادية أدت إلى تضاعف أسعار السلع والحاجات الأساسية وإلى ارتفاع نسبة البطالة في إيران مع عجز الحكومة عن دفع رواتب الموظفين. وهذا بطبيعة الحال سيؤدي إلى ازدياد التظاهرات والاحتجاجات ضد حكومة الملالي وسقوط النظام تدريجياً.

ثانياً، من هذه النقطة نصل إلى أن الاعتداءات الأخيرة ليست سوى مناورة سياسية الهدف منها إعادة تركيب طاولة المفاوضات من جديد وكسب مزيد من الوقت لعل وعسى أن يكون في البيت الأبيض رئيس آخر غير ترامب في 2020. إيران مستعدة اليوم لأن توقع عشرات من معاهدات عدم الاعتداء مع دول الخليج، لكنها لن تلتزم بواحدة منهن، فهذه الاعتداءات والهجمات لن توقفها إيران عن طيب خاطر، بل ستستمر وستتصاعد، وإن كنت أتوقع أنها ستحافظ على سقف معين لا تتجاوزه.
ثالثاً، أحسنت السعودية بدعوتها لقمم مكة وتحركها مع دولة الإمارات الشقيقة وكل حلفائهما نحو كسب المعركة الدبلوماسية وإيقاف العالم كله على ما ترتكبه إيران من عدوان. لم تتم إدانة إيران وكسب الرأي العام بهذه الصورة من قبل، وهذا بحد ذاته إنجاز كبير.

رابعاً، لا بد أن نقول إن موقف الحليف الأمريكي لا يزال متردداً. فمنذ 2007، بل قبل هذا، وأمريكا تهدد بتوجيه ضربة عسكرية لإيران إلا أن شيئاً من هذا لم يحدث. ولا يبدو اليوم أن الوضع قد تغيّر، فقد صرّح عدد من المحللين السياسيين، بل وبعض المسؤولين الأمريكيين، أن لا حاجة لخوض حرب جديدة في الشرق الأوسط. يبدو أن هذا هو ما في الأجندة الأمريكية إلى هذه اللحظة، عقوبات اقتصادية فقط. ماذا ستفعل أمريكا إذا صعّدت إيران من هجماتها على السفن الناقلة للنفط وأعاقت حركة التجارة والمصالح العالمية؟ الموقف لا يبدو واضحاً.

خامساً، هذا كله يؤدي إلى النقطة الأخيرة ألا وهي قضية تأمين الملاحة وتجارة النفط في الخليج. فمند نهاية الحرب العالمية الثانية والولايات المتحدة تتولى هذا الأمر، لكنها اليوم لم تصنع شيئاً أمام الاعتداءات الإيرانية التي تكررت في فترة قصيرة. ولا يبدو أن تلك الاعتداءات ستكون الأخيرة. تأمين تجارة النفط وسلامة الملاحة قضية كبيرة ويجب أن تحظى باهتمام العالم كله، فإذا تضررت تجارة النفط سيتضرر العالم كله. سلامة ناقلات النفط وسلامة السفن في البحر هي قضية القضايا الآن، وهذا ما ينبغي أن نتحرك باتجاهه، وأن نسعى لأن نكسب بخصوصه إجماعاً عالمياً وعملاً مشتركاً يكفل تلك الحماية.
T+ T T-