السبت 20 يوليو 2019
موقع 24 الإخباري

لاجئو سوريا بلبنان.. حكاية ترويها المعاول في جحيم الخيام

لاجؤون سوريون يهدمون مساكنهم في مخيم بلبنان (أ ف ب)
لاجؤون سوريون يهدمون مساكنهم في مخيم بلبنان (أ ف ب)
يعاني اللاجئين السوريين في لبنان من مضايقات كثيرة تزايد حجمها بعد مطالبة الجيش لهم بهدم بيتوتهم الهشة كونها تخالف قوانين البناء في البلد، وخوفاً من التوطين الذي يهدد التوازن السكاني، بحسب بعض المراقبين.

صوت المطارق المتهاوي على جدران البيوت التي أقامها السوريون في ملاجئهم على عجل بات يتردد في كل مخيمات اللجوء في لبنان، وأكوام الركام المحطم شكلت صورة تراجيدية تعكس حقيقة مأساة السوريين الفارين من ويلات الحرب في بلادهم ليصبحوا بلا مأوى تحت أسواط الشمس الحارقة مع قدوم الصيف.


خوف اللاجئين السوريين الذي أجبرهم على هدم بيوتهم أتى بعد بضعة أيام من إجبار الجيش اللبناني في 5 يونيو (حزيران) الماضي، لـ600 سوري على مغادرة ملاجئهم الهشة في مخيم بلدة دير الأحمر أو ما يعرف باسم "كاريتاس" (قضاء بعلبك- شمال شرق لبنان)، إثر مشادة مع الأهالي اندلعت بعد تأخر الدفاع المدني اللبناني في الاستجابة لحريق اندلع في المخيم، وحين قدوم طواقم الإطفاء اللبنانية رشقتهم جموع اللاجئين بالحجارة.

رواية أخرى، تقول إن عملية الرشق أتت بعد أن قام قائد سيارة الإطفاء بدهس خيمتين كان بداخلهما أطفال، ما أدى لاشتعال المواجهة مع سكان المخيم.

تضييق
وبحسب بعض المراقبين فإن عمليات التضييق اللبنانية ضد اللاجئين السوريين تأتي بعد تصاعد المخاوف الاقتصادية في البلد الذي بات يعاني من مستوى بطالة مرتفع، واستمرار شكوى اللبنانيين واحتجاجهم على حرمانهم من وظائف وأعمال كثيرة بات ينافسهم فيها السوريون بأسعار أقل.



وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل، أطلق أخيراً موجة من التصريحات اعتبرها البعض عنصرية، وأثارت ردود فعل عديدة، حين تحدث عن التفوق "الجيني" للبنانيين عن غيرهم من الشعوب، واعتباره سبباً لرفض اللاجئين والعمالة الأجنبية في البلاد.

وأكد باسيل في تصريحاته أن "معظم السوريين لم يعودوا في خوف أمني وسياسي، لكنهم بقوا لأسباب اقتصادية، نحن نعرف أكثر من نصف مليون سوري يعملون في لبنان، يعملون في كل مكان ينتهك قوانين العمل، ورغم مخالفتهم القانون، إلا أنهم لا يتم إعادتهم لأوطانهم".

عنصرية 
بدوره أعرب المرصد "الأورومتوسطي" لحقوق الإنسان يوم الأربعاء الماضي، عن بالغ قلقه إزاء تصاعد مظاهر التمييز تجاه اللاجئين النازحين إلى لبنان خصوصاً من سوريا، محذراً من أن موجة عنف واسعة قد تندلع حال استمرت تلك الممارسات.

وأكد المركز الحقوقي أنه رصد انتهاكات عنصرية خلال حملة حملت شعار "بتحب لبنان وظف لبناني"، كما رصد رفع شعارات عنصرية ضد اللاجئين السوريين ومن جنسيات مختلفة في لبنان من بينها "لبنان لم يعد يحتمل"، إضافة إلى عرض مقابلات تلفزيونية موجهة مع تجار ومواطنين يحرضون على طرد اللاجئين السوريين من البلاد ومنعهم من العمل.



وقال المرصد "الأورومتوسطي"، إن إطلاق هذه الحملة يعد امتداداً لسلسة من الممارسات صدرت في الفترة الأخيرة من جهات رسمية وشعبية لبنانية استهدفت اللاجئين السوريين في البلاد، وشملت ترحيلهم وطردهم من أماكن سكنهم بناء على قرارات من أكثر من 13 بلدية لبنانية، ومنعهم من التجوال بعد ساعات معينة في أماكن سكنهم، فضلاً عن تصريحات لكبار المسؤولين اللبنانيين بشأن "ضرورة عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم".

تشرد
كما لوح الجيش اللبناني بتدمير أكثر من 5 آلاف موئل من موائل اللاجئين المخالفة لأنظمة الحكومة اللبنانية. وفي حال تنفيذ الخطة فإن أكثر من 25 ألف شخص سيواجهون خطر التشرد. وأثار التحذير موجة من التحرك من قبل الرجال والنساء والأطفال الذين حملوا المعاول والمطرقات لهدم جدران الإسمنت إلى ارتفاع أقل من متر واحد.

ربة المنزل السورية نهلا عمار البالغة من العمر 48 عاماً، قالت في تصريح لصحية "اندبندنت"، "استغرق من الأمر (عملية الهدم) 3 أيام. زوجي متقدم في السن ومريض، ولهذا اضطررت إلى القيام بذلك بنفسي"، كما أضافت وهي تلوح بيديها المكسوتين بالغبار.




لم تكن قواني الهدم وحده الذي يعاني منه اللاجؤون السوريون، فإلى جانبه القوانين المتعلقة بالعمالة الأجنبية وشنت الحكومة حملات تستهدف إغلاق المحال غير المرخصة التي يديرها لاجؤون سوريون، إضافة إلى منع مئات السوريين من العمل في الأسواق اللبنانية لأنهم يخالفون القانون.

وتؤكد "الاندبندنت"، أن عمليات الإخلاء وغارات الجيش اللبناني تتزايد على مخيمات اللاجئين مع فرض البلدات حظر التجول خصوصاً على السوريين فيما تكررت دعوات الوزراء والسياسيين لهم بالعودة إلى ديارهم.

منظمة العفو الدولية أكدت في بيان أصدرته يوم الأربعاء الماضي، أن عودة اللاجئين السوريين الموجودين في لبنان إلى بلدهم أمر سابق لأوانه، وأشار التقرير إلى الأوضاع الحالية التي يعيشها اللاجؤون السوريون في البلد المجاور، منهم 938.531 لاجئاً مسجلاً لدى المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بالإضافة إلى ما قدرته المفوضية بـ550 ألف لاجئ يعيشون في لبنان بشكل غير مسجل منذ عام 2015، وذلك بعد أن أوقفت المفوضية تسجيلهم بناء على طلب الحكومة اللبنانية آنذاك.



خوف وإرهاب
ويؤكد التقرير أيضاً، أن مجموعة السياسات المقيدة التي وضعتها الحكومة اللبنانية كان لها "تأثير سلبي على حقوق اللاجئين"، وزادت من سوء أوضاعهم الاقتصادية من خلال تقييد أعمالهم المسموح بممارستها.

وشكك تقرير المنظمة بصحة طواعية حملات عودة اللاجئين السوريين، مثل حملة "سوريا آمنة ولبنان لم يعد يحتمل" التي أطلقها "التيار الوطني الحر" الذي يرأسه جبران باسيل.

هاجس التوطين
وتؤكد التقارير أن المشاكل الاقتصادية التي يعاني منها لبنان هي الوقود الذي يحرك ضد اللاجئين تلك، إلا أن الهاجس الحقيقي الذي يؤرق جهات لبنانية -بحسب بعض المراقبين- هو الخوف من توطين السوريين الذي سيترتب عليه اختلال في التوازن السكاني الحساس في لبنان.

يقول مدير البحوث في معهد "عصام فارس" للسياسات العامة والشؤون الدولية د. ياسر ياسين، في لقاء مع "اندبندنت" إن "ما يحصل في عرسال هو جزء من استراتيجية شهدناها في لبنان على مر الأسابيع القليلة الماضية وهدفها الضغط أكثر على اللاجئين السوريين لحملهم على المغادرة. إنها سياسة تقضي بخلق بيئة معادية للاجئين السوريين".

بيروت تنفي
السلطات اللبنانية تواصل النفي بدورها، وتؤكد مستشارة وزير الخارجية اللبناني لشؤون النازحين علا بطرس، أن "إجراءات الحكومة تهدف لتنظيم الحياة في البلاد من خلال تطبيق القوانين"، نافية وجود أي محاولات للتضييق على اللاجئين السوريين أو غيرهم. وأشارت بطرس إلى أن "قرار هدم الأبنية غير النظامية اتخذ قبل أكثر من 4 أشهر، ما يعني أن هناك فترة كافية للاجئين من أجل التعامل معه". وفيما يتعلق بعمالة السوريين، قالت بطرس إن "هناك نحو 1700 سوري يعملون في لبنان بشكل قانوني. بالمقابل لدينا أكثر من 300 ألف سوري يعملون بشكل مخالف للقانون ومن دون إجازة عمل".



وأشارت إلى أن هذا الأمر تسبب في رفع مستوى البطالة في البلاد من 11% إلى 35% خلال السنوات الأخيرة الماضية.

شماعة
فيما حذر الكاتب السياسي لقمان سليم في تصريح لقناة "الحرة" من "خطورة ‘جبار اللاجئين السوريين على العودة لبلادهم في ظل غياب البنى التحتية والصحية، وأعمال الثأر التي قد تطالهم بعد عودتهم"، مضيفاً أن "إثارة أزمة اللاجئين السوريين في هذا الوقت هو محاولة من قبل المسؤولين اللبنانيين لتعليق فشل سياساتهم الداخلية على شماعة ملف اللاجئين".
T+ T T-